Radio Islam - Ahmed Rami - راديو إسلام أحمد رامي - Morocco - Maroc -HOME -  Hweidi - Houeidi - Houidi - Sadat - Islambuli - Islambouli
عندما تسود الخيانة و يعم الفساد و تكم الأفواه
 لا يبقى الا ما فعله خالد الاسلامبولي و رفاقه ...

فهمي هويدي


مـــا الـــعـــمـــل؟
 مقالات للكاتب فهمي هويدي
عرفته الصحافة العربية كاتباً ومفكراً يحمل هموم الأمة الإسلامية والعربية، واستطاع بقلمه أن ينفذ عبر كل العصور
 محللاً ومفكراً له آرائه الصادقة المعبرة عن نبض الأمة دون خوف أو انكسار،إنه الكاتب والمفكر فهمي هويدي

الحل الاسلامي؟
"العلمانية" الغبية
صهينة الكلام!
ما العمل؟
 الموضوع الفلسطيني أولوية الأولويات
نقطة نظام
يسألونك عن الجدار
المسكوت عنه في فلسطين
سجل الإبادة المسكوت عليه
أن نبقى بلا أمل أو ذاكرة
 ثقافة الاستسلام
أين قدرة العرب علىالاحتجاج والغضب ؟
لماذا أصبحنا غير جديرين بالاحترام ؟
كبـوة "الإمـام الأكبـر"
الراسبون في المشهد العربي

إسرائيل على ضفاف الفرات
أزمة المرجعية
نحن و الحرب الإعلامية
لا للتطبيع الثقافيوالإعلامي مع اليهود
قيادات العدو يجب أن تقاطع إعلاميا
أنياب "الديمقراطية" اليهودية
الارهاب الاعلامي الفكري اليهودي
كيف نطالب باحترام تاريخنا‏؟
القطرية تعصف بالعالم العربي

تطورات خليجية تطرق أبواب التاريخ

الاتجاه التهويدي في منع مقالات فهمي هويدي!
هل ينجح مخطط استئصال مسلمي الهند‏‏؟
هزيمة مستقبلنا بتغريب الأجيال الجديدة
الحسن الثاني باع القضية لليهود
نصوص قرآنيةً"متهمة"يهوديا "بالإرهاب"
السؤال الغائب أو المغيب: لماذا؟
هل كراهية الغرب من إيمان المسلم؟
الحرية قبل الديموقراطية وليس بعدها
الحديث عن الإصلاح دون ممارسته
انتهى عصر الوصاية على الناس
جماعة طالبان: ظالمون أم مظلمون‏؟
طالبان نموذج الخلل في الأولويات
عبدة الشيطان ضحايا أم مجرمين؟
مخاطبة أحفاد المجاهدين بالفرنسية‏؟
نداء إلى مسلمي الغرب باحترام القوانين
انفجار الغضب أمر طبيعي
عن "الإرهاب" والديمقراطية
الحل يبدأ من من مصر
الذين يبدأون بالانحناء ينتهون بالأنبطاح
شكوك حول تفجيرفتنة دارفور وتدويلها
خطاب عمدة لندن جاء كاشفا وفاضحا!  

إطلالة على إيران
 حوار على الهواء مع القذافي
حوارمع هويدي حول قضايا الأمةالإسلامية

تعقيب
Comments about Mr. Howiedi´s book
SILENCE IN THE FACE OF INJUSTICE IS A CRIME
Entretien avec le penseur islamiste Fahmi Howeidi

أربعون مقال إضافي لفهمي هويدي عن كارثتنا الكبرى

  كيف يكون الحل الاسلامي؟

عندما عزلنا الدين عن الحياة، بدت عبارة الحل الاسلامي غريبة على الأسماع
 والأفئدة. وعندما صرفنا همّ المتدينين إلى عمارة الآخرة، وأغرقناهم في عالم الغيب، فإنهم هجروا عمارة الدنيا، وسقطوا ـ من ثم ـ في عالم الشهادة. ومنذ صار الخطاب الديني موعظة وتنويعاً على النصوص من قرآن وسنة، بات مثيراً لدهشة البعض أن يتحدث الاسلاميون عن التنمية والدعم والمشكلات الحياتية الملحة. إذ يحث هؤلاء عن (نص) يفصل في مسألة بقاء الدعم إلغائه، أو عن إشارة في مصنفات الأقدمين إلى موضوع التنمية، فلما لم يجدوا، احتاروا وتكدروا، وأكثرهم أنكروا!.
هكذا بدا الحل الاسلامي عنواناً سهل الإلقاء والتداول، ممتنعاً عن الفهم والتناول. وصار مهماً وحيوياً، في هذه المرحلة بالذات، أن يفسر العنوان، وأن يجري الحوار حول كيف يكون ذلك الحل، وإلى أين يقودنا؟.. ولئن جرى مثل هذا الحوار في مناسبات عدة، بالأخص عندما أثير موضوع تطبيق الشريعة، وكان لنا إسهام متواضع فيه، إلا أن دائرة التساؤل حول موضوع الحل الاسلامي باتت أوسع بكثير هذه المرة. خصوصاً بعدما حمله الاسلاميون على أكتافهم أثناء المعركة الانتخابية، حتى كان ما كان من صخب وضجيج واعتراض، لا يزال صداه قائماً إلى الآن.
ولسنا بسبيل توجيه الخطاب هنا إلى الناقمين والكائدين، الذين تقف كلمة الاسلامي في حلوقهم، ويصليهم حديثه بالغصة والمرارة والحساسية الزائدة، لكنا نوجه الخطاب إلى من يريد أن يفهم أو يحاورن وإلى من التبس عليه الأمر أو استبدت به الحيرة. ولئن بدا أن الأولين هم أصحاب الصوت العالي، أو المتصدرين لمختلف المنابر، إلا أن الأخيرين هم الأغلبية الساحقة من الناس، الذين ترطب كلمة الاسلام قلوبهم، وتستثير فيهم مدد الخير والعطاء والتأييد، برغم كل حيرة وأي التباس:
نحن معهم في طرح السؤالين: كيف وإلى أين، ليس فقط لأن من حقهم أن يتعرفوا على تصور الاسلاميين للحل الذي يعرضونه، صيغته وحدوده ومجالاته ومنتهاه، ولكن أيضاً لأن الراية الاسلامية حملها آخرون وروجوا لها، ثم أساؤوا إلى دينهم وإلى شعوبهم، فضلاً عن أن هناك تطبيقات وحلولاً إسلامية مطروح في الساحة الآن، ومن حق الناس أن يسألوا عما إذا كان الحل المأمول ينتسب إلى الحل المعمول، وما درجة القرابة أو وجه الشبه بينهما؟!
سنحاول هنا أن نجيب على السؤال: كيف؟ مستهلين الإجابة بإيضاحات ستة هي:
ـ أولاً: أنه ليس هناك شيء واحد اسمه الحل الاسلامي، ولكن هناك حلولاً عديدة تنبع من رؤية الاسلام وتصوره للكون والحياة. وبالتالي فإن الحدود تتعدد بتعدد المشاكل بمعنى أن رؤية الاسلام وموقفه هما العنصر الجامع، أما الحلول المرتكز على هذه الرؤية والنابعة منها فهي غير متناهية، لأن وقائع الحياة غير متناهية بطبيعة الحال.
ـ ثانياً: أن الحل الاسلامي لا يشترط فيه أن يكون مذكوراً في الكتاب والسنة أو في مدونات الفقه وكتب السلف، لكنه يكتسب صفته تلك إذا لم يتعارض مع نص أو قيمة اسلامية، وإذا كان يحقق مصلحة مرجوة لمجتمع المسلمين. في هذا الصدد نستحضر حواراً ذكره ابن القيم في أعلام الموقعين بين ابن عقيل وعدد آخر من الفقهاء، حول السياسة الشرعية. إذ قال أحد الفقهاء أنه لا سياسة إلا ما وافق الشرع. فقال ابن عقيل: السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول (ص) ولا نزل به وحي. ثم أضاف: فإن أردت بقولك لا سياسة إلا ما وافق الشرع، أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح. وإن أردت ما نطق به الشرع. فغلط وتغليط للصحابة.
وقد انحاز ابن القيم لرأي ابن عقيل، وانتقد من قال إن السياسة هي فقط ما نطق بها الشرع، حتى اتهمهم بأنهم ضيعوا حقوق الناس وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد. وقال قولته الشهيرة: إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق، وقامت أدلة العقل، وأسفر صبحه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه
ورضاه وأمره. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأماراته في نوع واحد، وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر.. فأي طريق استخرج بها الحق ومعرفة العدل وجب الحكم بموجبها ومقتضاها. (أعلام الموقعين ج 4 ص 372)
ـ ثالثاً: أنه على تعدد الحلول الاسلامية لمختلف المشكلات، إلا أن هذه الحلول ليست لها صفة الثبات، وإنما هي متغيرة بتغير الأزمنة والأمكنة والعوائد والأحوال. وهذا المبدأ مستقر عند فقهاء الأصول. ومعروفة قصة الإمام الشافعي الذي غير من مذهبه عندما انتقل من العراق واستقر في مصر، حيث اختلفت الأحوال والعوائد، فكان طبيعياً أن تختلف الاجتهادات والأحكام. وغنى عن البيان أن حديث المتغيرات منصرف إلى المعاملات دون العبادات، التي تتسم بالثبات والأصل فيها هو الاتباع، في حين أن الأصل في الأولى هو الابتداع، كما قال بعض الفقهاء.
ـ رابعاً: أن اختلاف الحل الاسلامي عن غيره ليس مطلوباً وليس ضرورياً. إذ ليس مفترضاً أن يكون الحل الاسلامي أمراً فريداً في بابه، ليس مسبوقاً ولا ملحوقاً. فالاسلام جزء من تيار البشرية، والمسلمون ناس من الناس. وإذ حدث واتفقت القيم أو المصالح بين المسلمين وغيرهم، واتفقت الحلول النابعة من تلك القيم أو المنجزة لتلك المصالح، فذلك مما لا ينبغي أن يثير اعتراض المسلمين أو حفيظتهم. إذ الأمر الجامع هو إنجاز مصالح الخلق، حتى قال فقهاء عديدون ـ العز بن عبدالسلام وابن القيم والشاطبي في مقدمتهم ـ بأن كل ما يحقق المصلحة ويقيم العدل والقسط، فهو من السياسة الشرعية يقيناً.
يتصل بذلك أن استبدال الحلول التي لا تصدر نصاً ولا تخدش قيمة اسلامية، يظل أيضاً من حسن السياسة الشرعية، التي تتقصى الحكمة حيث كانت، لتوظفها في خدمة مصلحة الأمة.
ـ خامساً: أنه إذا لم يكن ضرورياً أن يختلف كل حل لأي مشكلة في الواقع الاسلامي عن غيره من الحلول، وإذا كان تماثل الحلول وارداً عند المسلمين وعند غيرهم، فإنه يظل هناك هامش للتميز ينبغي أن يكون ماثلاً في الأذهان، لا يقوم على طبيعة الحل، ولكنه يقوم أساساً على وظيفته ومنتهاه. إذ تقوم فلسفة الحل الاسلامي على ركائز عدة، منها أن الانسان خليفة الله في أرضه، أي أنه يؤدي رسالة في إعمار الكون، يتعبد بها لله سبحانه وتعالى، وإذا كان لها مردودها المقصود في الدنيا، فلها مردودها المرصود في الآخرة.
أياً كان منبع الحل أو مضمونه وعلى فرض تطابق القيم التي ينطلق منها أو يخدمها ذلك الحل، فإن (المصب) في التصور الاسلامي يظل مختلفاً غاية الاختلاف. بمعنى أن الحل الاسلامي تدور فيه الجزئيات حول محور الرسالة وخلافة الله في الأرض المنوطة بالانسان. بحيث تصبح الحركة جزءاً من نظام كلي يقوم على الوصل، بين الدنيا والآخرة، وبين الأرض والسماء، وبين الانسان والله.
ـ سادساً وأخيراً: أن الحل الاسلامي ليس موجهاً إلى السلطة ومؤسساتها وحدها، ولكنه موجه أيضاً إلى كافة المكلفين في مجتمع المسلمين. أعني أن الالتزام بتعاليم الاسلام وقيمه والسير على النهج الذي رسمه الله سبحانه وتعالى للناس وبلغه عنه رسوله. ينتظم كافة المسلمين، بقدر ما ينظم مختلف شؤونهم. وإذا كان لنا أن نرتب الأمر حسب أولوياته، فقد نقول إن التزام المسلمين كأفراد بالحل الاسلامي، هو نقطة البدء وهو الأساس في إقامة ذلك الحل على صعيد الدولة أو الأمة.
وربما جاز لنا أن نعرف الحل الاسلامي ـ من الناحية النظرية ـ بأنه ((تدبير شؤون الخلق وفقاً لتعاليم الاسلام، أو استلهاماً لقيمه، بما يحقق المصالح والمقاصد المعتبر في الدنيا والآخرة)).
وعلى صعيد الواقع، فإننا نجد أكثر من صيغة لتصور الحل الاسلامي. والتعدد أو التفاوت هنا ناشئ عن اختلاف درجة الاستيعاب وزاوية الرؤية، وطبيعة التحدي الظاهر الذي تستدعي الشريعة لصده ومواجهته. وفي هذا الإطار، فقد نزعم أن هناك تصورات خمسة للحل الاسلامي، نوجزها فيما يلي:
ـ مستوى حضاري، يتعامل مع الحل الاسلامي بحسبانه الصيغة الوحيدة التي تكفل للأمة استقلالها في وعاء حضاري متميز، يثبت خصوصية الأمة ويرد إليها ذاتها واعتبارها، ويعتقها من أسار الانسحاق والتقليد. ونحن نجد في دعوة السيد جمال الدين الأفغاني إلى الثورة والتمرد على سلطان الآخر، صدى لهذه الفكرة. غير أن المفكر الجزائري مالك بن نبي يعد أبرز رواد هذا التيار، الذي بدأ يتبلور في ستينيات وسبعينيات القرن الحالي (مرحلة الاستقلال الوطني). وتعكس كتاباته اهتماماً واضحاً بقضية الخلاص من التبعية وانشغالاً دائماً بمسألة البعث الحضاري. وهو ما نلمسه في كتب مثل: شروط النهضة، مشكلة الثقافة، بين الرشاد والتيه، في مهب المعركة.
وقد أصبحت هذه الدعوة تستوعب عدداً لا بأس به من مثقفينا حتى نلمح لها بصمات واضحة في كتابات عدد من الباحثين المصريين اللامعين، من أمثال طارق البشري والدكتور محمد عمارة وعادل حسين. ومن أحدث ما ظهر في مصر من أبحاث في هذا الصدد كتاب الدكتور سيد دسوقي حسن (أستاذ الهندسة)، الذي صدر أخيراً بعنوان: مقدمات في البحث الحضاري.
وربما كانت إحدى ميزات هذا الطرح الحضاري للحل الاسلامي أنه يمكن أن يشكل نقطة التقاء بين المسلمين والمسيحيين، بحيث يتعامل معه المسلمون من منطلق عقيدي، ويتعامل معه غير المسلمين من منطلق ثقافي وسياسي. الأمر الذي دفع باحثاً مسيحياً كبيراً مثل الدكتور أنور عبدالملك إلى أن يعلن انحيازه إليه.
ـ مستوى (أصولي) يرى في الحل الاسلامي إحياء لحقيقة الدين، واستدعاء للتعاليم لتحتل مكانها الحاكم في المجتمع، بحيث تظلل علاقات الناس بالله، وعلاقات الناس بالناس. الأمر الذي يؤذن برفع الحصار المضروب على الدين لإبقائه محبوساً في المساجد والموالد. وإطلاق سراحه ليؤدي دوره الفاعل في حاضر الناس ومستقبلهم. بحيث يتجاوز التدين حدود العلاقة القلبية بالله سبحانه وتعالى، إلى محيط الواقع المعيش، فيترجم إلى مواقف وسلوكيات ونظم تضبط إيقاع الحياة، وقيم تتسيد مختلف الأنشطة الانسانية.
وكتابات الأستاد حسن البنا، ومدرسة الإخوان المسلمين بعامة، هي التي تبنت هذا الطرح للحل الاسلامي، منذ تأسيسها في سنة 1928. وإن كنا لا نستطيع أن نفصل هذه المدرسة عن محاولات الإحياء الديني التي شهدتها مصر منذ بداية القرن، على يد محمد عبده وتلاميذه الذين يقف رشيد رضا في مقدمتهم، إلا أنه يحسب لمدرسة الإخوان أنها نقلت دعوة الإحياء من مجامع المثقفين ومنتدياتهم إلى الشارع. بحيث أصبحت هناك حركة اسلامية تتبنى هذا التصور وتدعو إليه. حتى اصبح هذا التراث الفكري أحد المنابع التي تستمد منه ظاهرة الصحوة الاسلامية الراهنة زادها الأساسي.
ورغم أنه لم يتح لفكر الإخوان أن ينمو، لأسباب يعرفها الجميع، بحيث يصبح أكثر استجابة للتحديات المطروحة في الثمانينيات. وأكثر وضوحاً في مواجهة المشكلات الراهنة، إلا أن الأساس الذي وضعه الأستاذ البنا لا يزال يؤدي دوره الفاعل إلى الآن. وبناء عليه صاغ الدكتور يوسف القرضاوي رؤيته فيما يسميه (تيار الوسطية الاسلامية)، وانطلق الشيخ محمد الغزالي يبشر بفكرة الإحياء الواعي للدين في طول العالم العربي وعرضه، ومضى آخرون ـ بجهود فردية خارج الإطار الحركي للجماعة ـ يدعون إلى رؤى عصرية ومستقبلية للحل الاسلامي، تنطلق من ذات المفهوم الشاملة للتعاليم، نرصد من هؤلاء الدكتور كمال أبو المجد، والدكتور جمال عطية رئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر، والدكتور فتحي عثمان الذي نقل نشاطه الفكري إلى خراج مصر منذ عشرين عاماً، والأستاذ عبدالحليم أبو شقة الذي عاد إلى مصر منذ سنوات قليلة، محاولاً بث أفكاره وتجديد الدم في شرايين العمل الاسلامي، من خلال سلسلة مطبوعات بدأ في إصدارها تحت عنوان (آفاق الغد).
عن الحل التشريعي:
ـ مستوى اعتقادي، يرى أن الحل الاسلامي ينبغي أن يرتكز أولاً على سلامة الاعتقاد وأنه لا سبيل ولا مجال الآن لأي حديث عن إقامة نظام أو نظم اسلامية، أو حلول من أي نوع، لأن الاعتقاد ذاته لم يثبت بعد، وبالتالي فإن الأساس الذي ينبني عليه الحل مصاب بالخلل والضعف. وفيما نعلم. فإن الأستاذ سيد قطب هو من طرح هذا الرأي من المعاصرين، وتبنته جماعة الجهاد المصرية فيما بعد، ولا يزال هذا منطلقها الفكري إلى الآن.
في كتب (الظلال)، ومعالم في الطريق، وخصائص التصور الاسلامي، والاسلام ومشكلات الحضارة، يقرر الأستاذ قطب أننا نعيش مجتمعاً جاهلياً، يرفض حاكمية الله تعالى ولا يعترف بمنهجه ضابطاً للحياة، ولا يسلم ولا يفهم معنى (لا إله إلا الله)، ركيزة الإيمان وعموده الفقري. وبالتالي فإن أي طرح لحلول أو اجتهادات إسلامية في ظل هذا الواقع، هو من قبيل العبث أو الهزل. وهو يصف الخائضين في مثل هذه الأمور بعبارة (المخلصين المتعجلين)، ويتهمهم (بالهزيمة الداخلية) لأنهم قبلوا أن يتعاملوا مع الأوضاع الراهنة، في حين ينبغي أن يدعى هذا الواقع إلى الدخول في عقيدة الاسلام أولاً، ورد الحاكمية لله في أمر الناس كله.
ـ مستوى تشريعي، يتصور الحل الاسلامي دعوة للالتزام بالنظم القانونية التي جاء بها الاسلام، سواء في المجالات المدنية أو الجنائية أو الأحوال الشخصية، فضلاً عن الميدان الاقتصادي. أي أنها رؤية فوقية للحل، تعني بإقامة النظام الاسلامي على سطح المجتمع وهيكله الخارجي، وتعتبر الشريعة مرادفاً للقانون، وليس مجموعة النظم التي شرعها الله وأنزلها ليلتزم بها الانسان في مختلف ميادين الحياة، كما يقول الشيخ شلتوت.
وقد لا نبالغ إذا قلنا إن هذا هو المفهوم الأكثر شيوعاً لفكرة الحل الاسلامي، ربما لأنه الأسهل، وربما لأنه يجسد الحل في قوانين تصدرها السلطة التشريعية، ولا يوسع من محيطه ليصبح نظاماً للحياة، تتوزع التكاليف والالتزامات فيه على الأفراد ومختلف المؤسسات التربوية والإعلامية والسياسية والدستورية. وربما كان شيوع هذا المفهوم تعبيراً عن شوق المسلمين إلى إقامة كيان إسلامي ملموس، على أي نحو كان. فالحديث عن تربية إسلامية أو أخلاق وقيم وسلوك قد يصبح شيئاً هلامياً يتعذر الإمساك به، فضلاً عن أنه يؤتى ثماره بعد حين، يطول أو يقصر. أما الحديث عن قوانين ولوائح فإنه ينصب على صيغة يمكن تلمسها، وأمور واضحة المعالم ووقائع محكومة.
ـ مستوى عبادي أو أخلاقي، يتصور الحل الاسلامي صيغة لتوثيق الصلة بالله وحصناً يحمي الأخلاق والفضائل، وسبيلاً إلى مقاومة البدع وتطهير الاعتقاد من الانحرافات ومختلف صور الضلال.
ويتعلق بهذا الحل مختلف الفصائل الاسلامية التي تتعامل مع التدين في حدوده القلبية والمسجدية، إذا جاز الوصف، من أمثال جماعة التبليغ والدعوة، والجمعية الشرعية، والطرق الصوفية، وبعض التيارات السلفية.
ويلتقي على هذا المفهوم الذي يربط بين (الحل) وبين القلب والضمير جماعات العالمانيين الذين ينادون بشعار فصل الدين عن السياسة، ويرفعون لافتة (الدين لله)، ولا تستوعب مداركهم سوى المفهوم الكنسي للتدين، والتاريخ السيئ للسلطة الدينية في أوروبا.
لعلنا لا نبالغ في التقدير إذا قلنا بأن المستويين الأصولي أولاً والحضاري ثانياً، في فهم الحل الاسلامي هما الأقرب إلى التعبير الصحيح عن رسالة الاسلام وروحه، وإن كان تيار (الحل التشريعي) هو الأكبر، وربما تساوي معه في الحجم تيار التصور العبادي والأخلاقي لمفهوم الحل، في حين نحسب أن القائلين بجاهلية المجتمع، الداعين إلى حل عقيدي له أولاً، هم أقلية لا تكاد تذكر في خريطة الواقع الاسلامي المعاصر.
ولا غضاضة في تعدد مفاهيم الحل الاسلامي، ولا ضرر في تنافس تلك الأفكار في الساحة. فقبولنا لمبدأ التعددية في العمل العام، يستتبع قبولاً مماثلاً للتعددية في داخل المحيط الاسلامي ذاته. ومن المفيد، ومن الصحي، أن يعرض كل ما عنده، بضاعته وحجته، ليكون الرأي العام الاسلامي هو الفيصل والحكم في نهاية الأمر.
ويهمنا هنا أن ننبه إلى أن القائلين بالحل الاسلامي التشريعي، يتحدثون عن محتوى حوالي 5% فقط من النصوص القرآنية، ولا يعنون بالقدر الواجب بالنسبة المتبقية، التي تصل إلى 95% من جملة النصوص، ذلك أنه إذا كان مجموع آيات القرآن الكريم في حدود 6236 آية، وإذا كان مجموع آيات المعاملات 250 آية تقريباً، فإن حصر الحل الاسلامي في إطار التشريعات التي تنظم المعاملات يغدو اختزالاً مخلاً لمفهوم الحل، وابتساراً منكوراً للشريعة المنزلة.
يهمنا أيضاً أن نلفت النظر إلى النهج الذي اتبعه النبي عليه الصلاة والسلام في دعوته إلى (الحل) في المجتمع الاسلامي الأول. وهو النهج الذي يقدم الدعوة على الدولة، ويطبق الحل على مرحلتين، أولاهما (مكّبة) امتدت ثلاثة عشر عاماً، وفيها انصب الجهد على تطبيق الاسلام على المستوى الفردي، بتربية الضمير المسلم وتهيئته وإعداده، أي على وضع الأساس القوي للبناء. والمرحلة الثانية (مدنية) استغرقت عشر سنوات، وفيها جرت إقامة الدولة ونزلت التكاليف وشرعت الحدود.
وهو وضع يختلف عن دعوة الداعين في زماننا إلى الدخول في العقيدة من جديد، الذين يتهمون المجتمع بالجاهلية، لأن مرحلة التربية والتطبيق على المستوى الفردي في مكة أخذت مكانها واتباع النبي على الاسلام، أي بعد انتقالهم من الشرك إلى الإيمان. في حين أن دعاة جاهلية المجتمع يردوننا إلى ما قبل الاسلام.
لم يكن ذلك نهجاً نبوياً فقط، ولكنه نهج قرآني في حقيقة الأمر، بحيث أن الآيات التي نزلت في مكة ركزت على التربية والإعداد، بينما كان محور الآيات المدنية هو التطبيق على مستوى الدولة.
ولسنا ندعو إلى إنفاق سنين طالت أم قصرت في تربية المسلمين، لننتقل بعد ذلك إلى تطبيق النظم الاسلامية، لكنا نلح على أهمية إعطاء الأولوية للتربية، على أن يمضي القدر الممكن من التطبيق بالتوازي، وبالتدرج الذي التزم به القرآن في تناول الأمور وتقويم ما هو معوج من أوضاع الخلق. فتطبيق بغير تربية، هو بمثابة إقامة صرح على غير أساس أو نسج ثوب بخيوط العنكبوت!
قد لا يشفى هذا العرض غليل الباحثين عن إجابة السؤال: كيف يكون الحل الاسلامي! فرصد التصورات المتعددة لفهم هذا الحل لا يكفي، لأننا حتى إذا سلمنا بن المفهوم الحضاري للحل أو المفهوم الأصولي هما الأصح والأصدق تعبيراً عن رسالة الاسلام، فإن السؤال يظل وارداً. ومن حق أي أحد أن يعيده علينا قائلاً: إذا وافقنا ـ جدلاً ـ على أن الحل الاسلامي هو سبيلنا إلى الانعتاق من التبعية وإلى التميز الحضاري. أو إذا وافقنا على أن الحل الاسلامي يعني إقامة نظام الحياة على نسق الاسلام ووفقاً لتعاليمه وقيمه، فكيف يكون ذلك؟
ردى على السؤال هو: أن الإجابات تتعدد أيضاً على هذا الشق، ومن المهم أن تحدد الفصائل أو التجمعات التي تتبنى هذا الطرح أو ذاك أولويات العمل ونقطتي البدء والانتهاء. وإذا كان لي أن أحدد موقفاً. فقد أعيد ما سبق أن عرضته في هذا الصدد، وهو أن مدخلنا الأوفق والأسلم للتطبيق الاسلامي هو باب الشورى ـ إعمال التطبيق في المجال السياسي ـ مما يثبت قيم الحرية والديمقراطية، ويهيئ مناخاً مواتياً للتقدم بعد ذلك في أمان.
قلت أيضاً إن أول حجر نزع من أساس الصرح الاسلامي في العصر الأموي تمثل في الشورى، مما أدى إلى خلخلة البناء كله. ومن المهم الآن أن ننتبه إلى خطر هذه الثغرة، فتتجه أولى خطوات التطبيق إلى سدها، لكي يستقيم الأساس ويستعيد عافيته، ويصبح قادراً على أداء الدور المنوط به.


 

   "العلمانية" الغبية

 
من اراد ان يتعرف على المعنى الحقيقى للعلمانية الغبية فليذهب الى تركيا، حيث يفاجأ بان الدولة كلها بساستها ومؤسساتها وقوانينها وجيشها لا هم لها الا شئ واحد هو: يكون الحجاب او لا يكون؟! فاذا لم يكن فالعلمانية بخير، وكذلك الديمقراطية والجمهورية. إما اذا كان، فتلك نهاية التاريخ، وعلى الأمة السلام!

لا يكاد المرء يصدق عينيه واذنيه وهو يتابع اللوثة التى اصابت النخبة التركية حين نشرت الصحف صورة رئيس البرلمان بولند ارينج والى جواره زوجته المحجبة، وهما يتقدمان مودعي رئيس الجمهورية فى سفرته الى براج لحضور قمة حلف الاطلسى مصطحبا زوجته. إذ ظهرت عناوين صحف اليوم التالي صائحة مولولة، وناعية الى الناس نبأ الكارثة التى حلت بالعلمانية حين اطلت تلك الرأس المحجبة فى الوداع الرسمي لرئيس الجمهورية.

ان للخبر وقع الصاعقة، حيث ما خطر ببال النخبة المهيمنة ان يأتى زمان على الجمهورية التركية يظهر فيه الحجاب فى مناسبة رسمية وفى حضور رئيس الجمهورية.كان عنوان صحيفة "حريت" "الحجاب يغطي رأس الدولة التركية"، باعتبار ان رئيس البرلمان هو الذى يتولى مهام رئاسة الدولة بالوكالة، فى غياب الرئيس. اما صحيفة "ملليت" فكان عنوانها: الحجاب فى بروتوكول الدولة، اما التعليقات على الحدث الجلل فقد ركزت على ان هذه هى المرة الاولى فى تاريخ الجمهورية الكمالية (التى تأسست فى عام 1923) التى يظهر فيها الحجاب على رأس امرأة فى مناسبة رسمية، واعتبرته خطرا على العلمانية، ومقدمة للانقلاب على الجمهورية باسرها.

منذ وقعت الواقعة يوم 20/11 وحتى الآن، اى طيلة شهر تقريبا، واللوثة مستمرة، متجلية فى تعليقات يومية حول موضوع الحجاب على صفحات الصحف، وحوارات لا نهاية لها على شاشات التليفزيون بمحطاته وقنواته المختلفة (15 محطة) - ورغم ان استطلاعات الرأى التى اجريت حول الموضوع اسفرت عن ان 70% من افراد الشعب يؤيدون رفع القيود المفروضة من قبل السلطة على الحجاب، الا ان النخبة المهيمنة التى احتكرت صدارة المجتمع تجاهلت تلك الحقيقة ومضت تتجادل حول الخطر الذى يمثله الحجاب، وحول مشروعية حظره، وهل الحظر يستند الى الدستور والى تعاليم مؤسس الجمهورية كمال اتاتورك، ام الى نص القانون او روحه. كان هناك مؤيدون لرفع الحظر، استنادا الى النص على حرية الاعتقاد فى الدستور، والى مبادئ ميثاق حقوق الانسان. فى الوقت ذاته فان صحف الاتجاه الاسلامى اضافت ان اتاتورك لم يمنع الحجاب رغم انه منع ارتداء العمائم الا فى اماكن العبادة فقط.ونشرت بعض تلك الصحف صورا لاتاتورك مع زوجته لطيفة هانم وقد ارتدت حجابا كاملا، مشيرة إلى أن أمه زبيدة هانم كانت محجبة ايضا. اما مؤيدو حظر الحجاب فقد استندوا الى احكام القضاء وتعميمات مؤسسات الدولة وما اطلقوا عليه "تقاليد الجمهورية".

رئيس الجمهورية احمد نجدت سيزر لم يصطحب زوجته فى سفره لاحقه الى المانيا، حتى لا يأتى رئيس البرلمان بزوجته المحجبة فى وداعه، كما تقضى قواعد البروتوكول، ومن ثم تتكرر الازمة ويتضاعف الهياج السياسى والاعلامى فى البلد. وفى اول فرصة - حين زاره وفد من المعلمين- اعلن الرئيس سيزر ان الغاء الحظر على الحجاب فى الاماكن الرسمية والجامعات يعنى التنازل عن المبادئ العلمانية الاساسية للجمهورية، ويتعارض مع احكام المحكمة الدستورية العليا، التى كان يرأسها يوما ما.وهو ذات الموقف الذى عبر عنه القادة العسكريون فى اول اجتماع لمجلس الامن القومى بعد تشكيل الوزارة الجديدة.

 
بعد فوز حزب العدالة والتنمية بالاغلبية فى الانتخابات، فان الجدل فى الاوساط السياسية والاعلامية تجاهل القضايا الحياتية الملحة فى البلاد، وفى مقدمتها الازمة الاقتصادية، وشيوع الفساد ومسائل الحريات العامة، وفتح ملف الحجاب وموقف الحكومة الجديدة منه. ولان زعماء الحزب واكثر اعضاء الحكومة لهم خلفيات اسلامية لا تكاد تتجاوز حدود التدين العادى الذى نعرفه فى بلادنا، فان اركان المؤسسة العلمانية اعتبروا موضوع الحجاب حدا فاصلا بين الولاء للجمهورية والانقلاب عليها، وذهبوا الى ان استمرار الحظر عليه هو المعيار الاول للثقة فى الحكومة وفى جدارتها بالاستمرار.

الذى أثار التساؤل بعد فوز الحزب ان رئيسه الطيب اردوغان زوجته ترتدى الحجاب، وكذلك ابنتاه اللتان لم تستطيعا الالتحاق بالجامعات التركية بسبب حظرها للحجاب، ومن ثم اضطرتا الى مواصلة تعليمهن فى الولايات المتحدة، وهو ما تفعله كثيرات من بنات الاسر التركية.كذلك الحال بالنسبة لنائبه عبدالله جول، واغلب قيادات الحزب.لذلك فانه منذ اليوم الاول لاعلان فوز حزب العدالة بالاغلبية كتبت صحيفة "صباح" متسائلة: هل ستكون زوجة رئيس الوزراء محجبة ؟ وكان السؤال استنكاريا، لانها اردفت تقول: لم يحدث سوى مرة واحدة فى تركيا الحديثة ان تجرأت زوجه مسؤول كبير على الظهور بالحجاب، الذى تعتبره النخبة التركية المقربة من الغرب بمثابة نيل من القيم الحديثة العلمانية. وهو ما لم يلق استحسانا، لان الجيش قام فى نهاية المطاف بطرد زوجها: رئيس الوزراء السابق نجم الدين اربكان.

فى اول مؤتمر صحفى عقد بمقر رئاسة الجمهورية عقب اعلان نتائج الانتخابات، طرح السؤال على الناطق باسم الرئيس سيزر. ولكنه رفض ان يوضح ما اذا كانت مسألة الحجاب ستكون من العناصر الحاسمة فى اختيار رئيس الوزراء الجديد - غير ان الصحف لم تتوقف عن تقليب الموضوع ومناقشته، عبر نشر صور المرشحين وزوجاتهم - واحتدمت تلك المناقشة حين عين عبدالله جول رئيسا للوزراء رغم ان زوجته ترتدى الحجاب.وحين تبين ان زوجات 16 من 24 وزيرا فى الحكومة الجديدة محجبات ايضا. الامر الذى آثار موجة من التعليقات، لا على كفاءة الوزراء وافكارهم ومسئولياتهم، ولكن على ملابس زوجاتهم وحجابهن، والمشكلات البروتوكولية التى يمكن ان تترتب على ذلك الوضع غير المسبوق فى تاريخ الجمهورية.

 
منذ الثمانينيات والجدل مستمر حول موضوع الحجاب فى الدوائر السياسية والاعلامية.فقد صدر قانون بعد انقلاب العسكر عام 81 منع الطالبات المحجبات من دخول الجامعات، لكن بعدما تولى تورجوت اوزال رئاسة الحكومة فى عام 83 نجح نواب حزبه (الوطن الام) فى اصدار قانون يحمى حرية دخول الجامعات.ولكن طعن فى القانون الجديد امام المحكمة الدستورية العليا التى ابطلته وعادت المشكلة الى نقطة الصفر مرة اخرى. وظلت موضع شد وجذب الى ان قام العسكر بانقلابهم الابيض الشهير فى فبراير 1977، مما أدى الى استقالة حكومة نجم الدين اربكان.ونصت قرارات مجلس الامن القومى التى أحدثت ذلك الانقلاب على ضرورة تطبيق "قوانين الثورة" فيما يتعلق بالزى الواجب ارتداؤه.والمقصود هو قانون الزى (يسمونه قانون القيافة) الصادر فى عام 1934، الذى يتطرق الى زى الرجل وليس المرأة.حيث يفرض ارتداء القبة بدلا من الطربوش والبنطلون بدلا من الجبة (فى الدستور الحالى نص بهذا المعنى). وبعد اعلان قرارات المجلس الذى يتحكم فيه رئيس الاركان وقادة اسلحة الجيش، صدر تعميم فى مجلس التعليم العالى بمنع المحجبات من دخول الجامعات. وهو المنع الذى لايزال مستمرا الى الآن.

اشرت توا إلى أنه بسبب ذلك الحظر اضطر عدد غير قليل من الفتيات الى الالتحاق بجامعات اخرى خارج تركيا، بعضهن ذهبن الى بلد مسلم مثل اذربيجان والاخريات توزعن على الدول القريبة نسبيا مثل المجر (الاقل تكلفة) والنمسا والمانيا وهولندا. ولكن العلمانية الكمالية أبت إلا أن تطارد المحجبات حتى اذا درسن فى الخارج.فقد قرر المجلس الاعلى للتعليم ألا يعتمد الشهادات الممنوحة فى الخارج إلا إذا اجرى الطالب او الطالبة اختبار قبول بعد عودته الى بلده.وهو ما وضع امام الطالبات المحجبات عقبة لم تكن فى الحسبان، لأن ذلك الاختبار محظور عليهن الا اذا خلعن الحجاب !



 

   صهينة الكلام!

احذر من " صهينة الكلام " بمعنى نصب مفردات لغة الخطاب العربى على الارضية الاسرائيلية، ومن ثم تكريس الهزيمة على مستوى اللغة، وتوسيع نطاق التآكل المفجع الذى تحدثت عنه فى الاسبوع الماضى، ذلك الذى طال خرائط العرب تارة وقيم زمانهم تارة اخرى، وزحف حتى اصاب بدائه السنتهم فى طور ثالث.
 
استشعرت وخزا حين سمعت قبل حين مصطلح " عسكرة الانتفاضة "، وادهشنى ان مسؤولين فلسطينيين كبارا استخدموه، بقدر ما احزننى ان بعض الكتاب والمثقفين العرب ادرجوه ضمن المصطلحات المعتمدة فى حديثهم عن انشطة المقاومة. ووجدت ان المصطلح بدا يكتسب بمضى الوقت شرعية فى الخطاب الاعلامى موحيا بان ثمة انتفاضة مذمومة، هى تلك التى تستخدم السلاح فى مقاومة الاحتلال، واخرى محمودة هى التى تتنزه عن ذلك وتفضل الوسائل الاخرى المتبعة فى الدول "الديمقراطية" و"المتحضرة ".
امام شيوع المصطلح محملا بذلك المعنى، فاننى وجدت فيه نموذجا "للتلوث اللغوى"، الذى تحدث عنه الشاعر مريد البرغوثى فى المقال الذى نشرته له مجلة "وجهات نظر " (عدد ابريل الماضى)، وخصصه لفضح ما اسماه "لغة الجنرالات القاتلة ". وهى اللغة التى يتم بها اغتيال المعنى واغتيال الحقيقة، من خلال مصطلحات تؤدى ذات الوظيفة التى يقوم بها المسدس كاتم الصوت. ذلك الذى يقتل دون ان يلحظ احد او يحس.
مصطلح " عسكرة الانتفاضة " هو احدى طلقات ذلك المسدس، التى صوبت الى صدر الانتفاضة لاجهاضها، بزعم ان مواجهة المحتل بالسلاح هى عمل مستنكر يتأبى عليه " المتحضرون "، ومن ثم فانه يعد مسلكا مدانا يتعين الاقلاع عنه للحفاظ على " نظافة الانتفاضة " و "الارتقاء" بمستوى المواجهة!
من المفارقات المذهلة ان ادانة مسلك المقاومة تتم على ذلك النحو، فى حين يدرك الجميع ان مسلك الطرف الآخر فى المواجهة يتسم بالوحشية والغطرسة، وانه ما خاطب الفلسطينيىن يوما الا بلغة الابادة، ولايزال قتل الفلسطينيين يمثل سياسة اسرائيلية رسمية معلنة حتى هذه اللحظة. ثم انه لا مجال للمقارنة بين تلك "العسكرة" المنتقدة، وبين الاسلحة الاسرائيلية الفتاكة ومخططات الاستيطان الجهنمية. ثم لا تنس ان تلك العسكرة لم تظهر فى الافق الا بعدما فاض الكيل بالفلسطينيين، حتى ادركوا ان اسرائيل سدت فى وجوههم ابواب الامل فى تحقيق حد ادنى من الانصاف والعدل، وانها انتهزت فرصة التهاء الفلسطينيين والعرب بما سمى " مسيرة السلام "، لكى تكرس الاحتلال والاستيطان. ازاء ذلك فان مخاطبة العدو بلغة السلاح غدت الخيار الوحيد امامهم. وتبين ان هذه اللغة وحدها التى اصابت اسرائيل بالوجع، واذاقت الاسرائيليين بعضا من طعم الالم والخوف الذى يعيش الفلسطينيون فى ظله طيلة نصف قرن.
ولان العمل الفدائى الفلسطينى الذى تجسدت فيه "العسكرة" هو الذى اوصل رسالة الوجع الى اسرائيل، فقد صار هم قادتها، وشاغل الدول الكبرى المساندة لها، هو ابطال مفعول ذلك السلاح وتجريد الفلسطينيين منه، لكى تهدأ اسرائيل بالا وتهنأ باستمرار الاحتلال. وبوسع المرء ان يقدر دوافع الاسرائيليين ومن لف لفهم فى سعيهم الى ذلك. من ثم فلو ان مصطلح "عسكرة الانتفاضة " ورد على لسان اى مسئول ينتسب الى تلك الجبهة لعذرناه وفهمنا موقفه. لكن ما يصدم المرء ويحيره هو لماذا يتبنى اى طرف عربى المصطلح الذى يقف بالكامل على الارضية الاسرائيلية، ولا يخدم الا الاهداف والمخططات الصهيونية.
ان ميثاق الامم المتحدة ينص على حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال بكل الوسائل. وازاء موقف كالذى نحن بصدده فان عنوان المقاومة يتسع للعديد من صور النضال تتوزع على قائمة طويلة من الجبهات، السياسية والاعلامية والاقتصادية والعسكرية. ويظل من غرائب الزمن وعجائبه ان يصبح حق المقاومة بكل صورها مكفولا لكل شعوب الدنيا التى تخضع للاحتلال، فى حين يستثنى الفلسطينيون من القاعدة، بحيث يحرم عليهم ما يحل لغيرهم، فيطالبون بالتخلى عن العمل الفدائى بزعم ان تلك " عسكرة " مذمومة!
 
ذلك شكل من اشكال صهينة الكلام لا ريب. حيث المصطلح فى هذه الحالة اطلق على لسان عربى. لكى يلبى حاجة اسرائيلية ملحة، وليس للمصلحة الفلسطينية او العربية فيه ناقة ولا جمل.
من اسف انه ليس المصطلح الوحيد، وانما بين ايدينا قائمة طويلة من المفردات التى تسللت الى لغة الخطاب العربى، فى حين انها تقف كلها على الارض الاسرائيلية. ولا اعرف ان كان ذلك قد حدث على سبيل المصادفة ام لا، لكن ما افهمه ان المصطلحات والمفردات ذات الدلالة التى تتخلل خطابات السياسيين على الاقل، لا تلقى اعتباطا، وانما يتم اختيارها فى العادة بدقة شديدة، بحيث يكون المصطلح محملا برسالة كاملة. وفى احيان كثيرة - خصوصا فى اللقاءات التى تتم على مستوى القمة- تتشاور العواصم المعنية حول ذلك النوع من المصطلحات، ويعمل المستشارون لايام واسابيع للاتفاق حول ما هو مستخدم منها. وقد قرأنا بعد مؤتمر العقبة ان وصف الرئيس الامريكى بوش لاسرائيل بانها " دولة يهودية تنبض بالحياة " لم يكن تعبيرا بلاغيا امتدح به اهم حليف للولايات المتحدة فى المنطقة، ولكنه كان فخا منصوبا اشتغل على صنعه وزير الخارجية الاسرائيلى سيلفان شالوم طيلة اسابيع خلت. واعتبر دسه فى خطاب الرئيس الامريكى انتصارا له. لان التصريح به بمثابة الغاء ضمنى لحق اربعة ملايين فلسطينى موزعين على المنافى منذ عام 48 فى العودة الى بيوتهم التى طردوا منها فضلا عن اضعاف موقف اكثر من مليون فلسطينى آخر يعيشون داخل حدود دولة اسرائيل.
واذ لا نستغرب حدوث ذلك من حليف وراع دائم التبنى للسياسات الاسرائيلية، بما فيها القتل اليومى للفلسطينيين الذى اعتبرته واشنطون من قبيل الدفاع عن النفس، فان استغرابنا سيتضاعف حين نجد سياسيين فلسطينيين وعربا يتحدثون عن " العنف والعنف المضاد " فى فلسطين، ويصنفون ما يجرى بانه "نزاع" فلسطينى اسرائيلى، ويذهبون الى حد اتهام فصائل المقاومة "بالتطرف" تارة و"الارهاب" تارة اخرى. بل وجدنا من ذهب الى ابعد فى الحط من شأن الذين يلتفون حول المقاومة ويساندون حق الشعب الفلسطينى فى الاستقلال والكرامة، بانهم "حربجية!
 


ما العمل؟

أصعب اسئلة الساعة هو السؤال ما العمل؟- ذلك بأن ثمة شعورا عربيا عاما برفض الواقع وانسداد افق المستقبل، الامر الذى يثير رغبة عارمة فى التغيير. لكن الاشكال هنا انه لا التغيير بالعنف صار مقبولا، ولا التغيير السلمى بات ممكنا، وهو ما يوقع كثيرين فى دوامة الحيرة، ويسوغ الالحاح على السؤال الذى لا أملك اجابة شافيه له. (1)

فى زيارة سابقة للجزائر قيل لى ان سيدة عجوزاً قالت ذات مرة لبعض اقاربها الذين شاركوا فى حرب التحرير ان الاحتلال الفرنسى استمر 130 عاما وكانت له نهاية، وهذا الاستقلال الذى اتيتم به متى سينتهى؟

لا اعرف ان كانت المرأة تمزح ام انها كانت تعنى ما تقول،وكلامها كان جادا، والاحتمال الاخير هو عندى اقرب، لان الطبع الجزائرى الذى اعرفه على الاقل، ليس له فى المزاح باع كبير- ايا كان الامر فالرسالة فى كلام العجوز الجزائرية واضحة، ذلك انها لم تجد تغيراً ملحوظا بين هموم الاحتلال وهموم ما بعد الاستقلال. واحسب ان ذلك امر لا تنفرد به تلك السيدة. ولكنه شعور عام سائد فى الكثير من اقطار العالم الثالث، التى خضعت للاحتلال الاجنبى حينا من الدهر. ثم نالت استقلالها بعد ذلك،فوقعت فى قبضة سلطة قاهرة اخرى كانت بمثابة "احتلال وطنى".

شاعت خيبة الامل هذه فى افريقيا قبل اربع سنوات، حتى إن أحد كبار الكتاب الكينيين- الدكتور على مزروعى- كتب مقالا دعا فيه الى العودة لوضع الدول الافريقية تحت الوصاية، لإنقاذ ما يمكن انقاذه من ثرواتها وشعوبها، التى تعرضت للنهب والقمع من جانب النخب التى احتكرت السلطة واستأثرت بالثروة بعد الاستقلال. وهو الاقتراح الذى اثار جدلا واسعا فى حينه، وفتح الباب لتقديم اقتراحات اخرى تحقق الانقاذ المنشود، فاقترح احد الكتاب الامريكيين تأجير القارة للدول الغربية الراغبة. وقال آخر ان عودة الاستعمار للقارة مرة اخرى هو الحل. وكان القاسم المشترك بين تلك المقترحات يتمثل فى اليأس من الحكم الوطنى، والبحث عن بديل من خارج حدود الوطن.

هذا الحوار المدهش، الذى يتجاوز قدرة العقل على التصديق والاستيعاب، له نظير يدور الآن فى العالم العربى للأسف. وقد تابع كثيرون نموذجا له على شاشة قناة "الجزيرة" (برنامج الاتجاه المعاكس- 5/13) حيث وجدنا من دافع عن عودة الاحتلال ورحب "بالخلاص" الذى يأتى على يديه- كما ان الذين يتابعون خطاب جماعات المعارضة العربية لبعض الانظمة الذى تبثه عبر مواقعها على شبكة "الانترنت" يجدون الآن صدى قوياً لذلك الحوار. بل ان البعض لم يعد يسأل هل يجئ المحتل الامريكى ام لا، ولكنهم باتوا يرفعون اصواتهم بالسؤال: متى يجيئون ويخلصونا من عذاباتنا التى لا ترى لها نهاية؟

 
قل ما شئت فى حق الذين يتبنون ذلك الطرح الذى يصدم الحس الوطنى ويهينه، لكنك لن تستطيع ان تنكر امورا ثلاثة، الاول انه يجسد اجواء الانكسار والهزيمة المخيمة على العالم العربى. والثانى ان دعاة الترحيب بالاحتلال ليسوا كلهم عناصر "حزب امريكا" الذين تغلغلوا فى منابر الاعلام العربى، وانما اغلبهم من اليائسين المحبطين، الذين ضاقت بهم السبل، حتى اصبحوا مستعدين للاستعانة "بالشيطان" اذا اتى لهم بالخلاص المنشود. اما الامر الثالث فهو ان الاحتلال نجح فى الاطاحة بنظام جبار ومستبد اذل شعب العراق ومرغ كرامته فى الاوحال لاكثر من ثلاثة عقود. وهو النجاح الذى احيا امل اليائسين، وشجع آخرين على المراهنة عليه فى بلوغ مرادهم. سألتقط الخيط من النقطة الاخيرة، لاعتقادى انها ضللت كثيرين واغوتهم. كما انها صارت ورقة مهمة وحجة قوية فى تزيين الاحتلال وتسويغه. وعديدة هى الكتابات والحوارات التى ارتفع فيها صوت البعض قائلين: هل كان يمكن اسقاط نظام بغداد وتحرير العراقيين من قبضته الوحشية لولا التدخل الامريكى؟
الاجابة على السؤال بالنفى معروفة سلفا. لكن ذلك لا ينهى المناقشة، لانه فى تحرير المشهد يتعين التفرقة بين الاهداف المرحلية والاهداف النهائية، والاهداف الظاهرة والاجندة الخفية. والقياس الذى يطمئن الى نتيجته ليس ذلك الذى يقف عند الاهداف المرحلية او الظاهرة، وانما هو الذى يتحرى الاهداف النهائية والاجندة الخفية. فثمة التقاء لا ينكر فى الهدف المرحلى الذى اسقط النظام البعثى ومن ثم اطلق حريات الناس،لكن السؤال، الاهم هو هل هذا الذى حدث وسيلة وهدف مرحلى، ام هو غاية وهدف اخير. وهل تلك نهاية المطاف ام ان وراء الاكمة ما وراءها؟
حتى أقرب الفكرة فاننى اذكر بان الحملة الفرنسية على مصر فى آخر القرن الثامن عشر اعلنت فى الظاهر انها جاءت لتخلص المصريين من عسف المماليك. وتحدث البعض عن دورها "التنويرى"، استنادا الى ان الفرنسيين ادخلوا المطبعة الى مصر وقتذاك. ورغم ان مسألة عسف المماليك كانت صحيحة، الا انها كانت الذريعة التى احتج بها نابليون فى المنشورات التى وزعها على المصريين، فى حين ان هدفه الحقيقى الذى تحدثت عنه المراجع الفرنسية ذاتها كان توسيع نفوذ بلاده وقطع الطريق على الامبراطورية البريطانية التى كانت قد ثبتت اقدامها فى الهند. وصحيح ايضا ان الفرنسيين جاؤوا بالمطبعة الى مصر، الا ان مسألة التنوير لم تخطر على بالهم، كما انهم لم يفكروا فى استخدامها لصالح اى دور ثقافى او رسالى كما تروج عناصر "حزب فرنسا". اذ الحقيقة انهم جاؤوا بالمطبعة لطباعة منشوراتهم التى خاطبوا من خلالها المصريين، وحين عزموا على الرحيل بعد مضى ثلاث سنوات، فانهم ادركوا ان المطبعة ادت وظيفتها، فأخذوها معهم عند خروجهم.
ما اريد ان اقوله ان اسقاط النظام العراقى كان مجرد هدف مرحلى التقت عنده مصلحة الشعب العراقى مع المصلحة الامريكية، لكن الامر اختلف تماما بمجرد سقوط النظام، ففى حين اعتبره العراقيون غاية تطلعوا اليها، فان الامريكيين تعاملوا مع السقوط باعتباره وسيلة لتحقيق اهداف أبعد، تتعلق بالتطلعات الامبراطورية والاطماع النفطية التى تداخلت معها المصلحة الاسرائيلية.
ولست اتردد فى القول ان ما تحقق من مصالح للعراقيين بسقوط النظام، لا يختلف عن المطبعة التى جاء بها الفرنسيون الى مصر، او الطرق التى مهدوها فى الجزائر، وخطوط السكك الحديدية التى مدها الانجليز فى بعض مستعمراتهم. فتلك امور اريد بها خدمة الاحتلال، وتسهيل انتقال قواته عبر البلاد. واذا ما افادت الناس بصورة او اخرى، فلا ينبغى ان يتم التعامل معها بحسبانها فضائل للاحتلال. وانما من المهم للغاية ان توضع فى اطارها الصحيح بحسبانها "اعراضا جانبية" لم تكن مقصودة ولا مستهدفة، وانما نتجت عن وجود الاحتلال، الذى لم يمانع فى استثمارها ومحاولة التجمل بها، كى يستر عوراته ويصرف الانتباه عن مقاصده الحقيقية واجندته الخفية.
 
حسم مجلس الامن يوم الخميس الماضى 5/22 الجدل السقيم الذى دار فى بعض الدوائر العربية حول ما اذا كان الامريكيون فى العراق محتلين ام محررين. واحرجت الولايات المتحدة ابواقها العربية حين طلبت من مجلس الامن رسميا اعتبارها (ومعها بريطانيا) قوة احتلال فى العراق. الامر الذى وضعنا امام مفارقة مضحكة ومخجلة فى آن. فواشنطن قالت صراحة انها جاءت كقوة احتلال، بينما ابواقها فى بلادنا مازالت تقسم بأغلظ الايمان على انها قوة عتق وتحرير.
وهو مصادفة لا ريب، انه قبل يوم واحد من اعلان تقنين الاحتلال الامريكى للعراق، واسقاط القناع الزائف الذى تم تجميل الغزو به، عممت صحيفة "واشنطن بوست" تحليلا نسف ادعاء الدفاع عن الديمقراطية فى الاداء الامريكى، وهو الامل الذى راهن عليه البعض، وظنوه سبيلا الى الخلاص من معاناتهم فى بعض الدول العربية.
التحليل كتبه توماس كارو تيرز مدير مشروع الديمقراطية وحكم القانون بمؤسسة كارنيجي الامريكية (نشرته الشرق الاوسط فى 5/11). وفيه ركز على ان واشنطن ليست معنية بمسألة الديمقراطية الا بالقدر الذى يخدم سياساتها ومصالحها الامنية. وعلاقاتها الآن وطيدة ومشهودة مع العديد من الدول غير الديمقراطية. وفى حالة النموذج الاستبدادى الفج القائم فى اوزبكستان التى اصبحت حليفاً لامريكا فى وسط آسيا، فان غاية ما فعلته واشنطن انها وجهت انتقادا هادئا خفيفا للوضع السائد هناك (لمجرد ذر الرماد فى العيون) للحفاظ على مصالحها الامنية فى المنطقة، وقد كافأت سنغافورة وسارعت الى توقيع اتفاقية تجارية معها لانها ايدت واشنطن فى غزو العراق. ولكنها تجاهلت تشيلى وادارت لها ظهرها، وهى التى انتظرت طويلا توقيع تلك الاتفاقية معها. ورغم ان تشيلى دولة ديمقراطية. الا ان واشنطن ارادت ان تعاقبها لانها لم تؤيدها فى مجلس الامن. وكافأت واشنطن دولة مثل اندونيسيا وقفت ضد ارادة شعبها وايدت غزو العراق، فى حين انزلت عقوبتها بدولة ديمقراطية مثل تشيلى، لانها احترمت ارادة شعبها ولم تؤيد الغزو. وهى تعلم جيدا ان ثمة تجربة ديمقراطية مهمة فى ذلك البلد الكائن فى اقليم يسوده الاضطراب مثل امريكا اللاتينية، حيث تحتاج الديمقراطية الى سند امريكى واضح.
بشكل مواز فان نائب وزير الدفاع الامريكى بول وولفوفيتز الذى زار أنقرة مؤخرا انتقد الحكومة التركية لعدم مساندتها للولايات المتحدة فى الغزو، وهى التى لم تفعل ذلك الا لانها حكومة ديمقراطية استجابت لضغوط الشعب التركى القوية المعارضة للحرب. ليس ذلك فحسب، وانما اعرب وولفوفيتز عن أسفه لأن العسكريين الاتراك "لم يلعبوا دورا قياديا كان متوقعا منهم فى هذه القضية"- وهى الاشارة التى فهمت بحسبانها تحريضاً وعتابا للعسكر، لانهم لم يقوموا "بالواجب" فى ذلك الطرف. وهو كلام ليس له فى الخبرة التركية الا ترجمة واحدة هى انه دعوة للانقلاب على الديمقراطية.


 

نقطة نظام

عندى طعن من حيث الشكل في تناول مسألة تجديد الخطاب الدينى، التى صارت مضغة في افواه كثيرين، وساحة مستباحة اقتحمها كل من هب ودب. ولم يكن الكلام السقيم على كثرته اسوأ ما قيل في تلك المناسبة. وانما الاسوأ ان نفرا من الغلاة استخدموا منصة التجديد لتسويغ التبديد واحيانا التجديف، الامر الذى يتجاوز الاساءة للدين الى اثارة الفتنة، وإشغال الناس بجدل يصرفهم عن تحديات اكثر جسامة تهدد الامة من كل صوب.
 
منذ اكثر من عام وملف التجديد مفتوح امام الرأي العام. رغم ان المتابعين للشأن الاسلامى يعرفون انه مثار في دوائرهم منذ اكثر من قرن، على الاقل منذ ظهر الافغانى ومحمد عبده في الافق. ولا استبعد ان تكون اجواء ما بعد11 سبتمبر، وما استصحبته من دعوات وضغوط، قد اسهمت في تصعيد الاهتمام بالقضية. طيلة تلك الفترة، ولاسباب احسبها مفهومة، كنت احد المتابعين لما قيل وكتب في الموضوع الذى لا يختلف احد على اهميته. وقد فهمت وقدرت الجهود التى بذلتها في هذا الصدد الجهات المسؤولة ذات الصلة المباشرة بالموضوع، لكنى لم استسغ من البداية انفراط عقد المناقشات الدائرة حوله، واقتحام آخرين لساحتها على نحو كانت فيه "الاستباحة" اوضح ما تكون. آثرت الصمت طيلة تلك الفترة، معتبرا ان اكثر ما قيل بعد انفراط العقد من قبيل الثرثرة واللغو، وان ما تخلله من غلو وشطط لا يعدو ان يكون تنفيسا عما يجيش بصدور دوائر الغاضبين والخصوم، الذين كسدت بضاعتهم الفكرية، واستبدت بهم المرارة، فاهتبلوا الفرصة لكى يطلقوا سهامهم ويصفوا حساباتهم الدفينة. في الوقت ذاته، فقد كان تقديرى ولايزال ان الخوض في مسألة تجديد الخطاب الدينى له شروط، اهمها ان يكون للمشاركين في الحوار "شرعيتهم". والحد الادنى لتلك الشرعية ان يكون هؤلاء على صلة بالموضوع او انتساب له من اى باب. وكان من العبث الذى يرقى الى مستوى العجب ان يتحول غير ذوى الصلة او الصفة، بل ان يصبح المشتبكون مع الخطاب الدينى، متحدثين رئيسيين في امر تجديده. الامر الذى وضعنا بازاء صورة "كاريكاتورية"، يصعب على المرء ان يحملها على محمل الجد. وبلغ العبث مداه حين وجدنا ان المهرجانات التى اقيمت لذلك الغرض استبعد منها المفكرون والباحثون الجادون الذين نذروا انفسهم وكرسوا جهودهم منذ عقود لاجل تأسيس فكر اسلامى مستنير، يخدم التجديد ويدعو اليه، على نحو سنأتى على ذكره بعد قليل. وهو امر بدا باعثا على الدهشة، وكان متعذرا افتراض البراءة فيه. ولازلت ارجو من الذين يرفضون فكرة المؤامرة ان يبحثوا لنا عن تفسير مقنع - غير تآمرى - له!
 
ازاء عدم شرعية اغلب الذين خاضوا في الموضوع، وتهافت ما صدر عن المهرجانات التى نصبت لاجله، لم اجد ما يشجع على الاشتراك في المناقشة، التى ازعم اننى احد الذين يقفون في ساحتها منذ ربع قرن على الاقل. وظل العنصر الحاسم الذى دفعنى الى الانصراف عن تلك المناقشة، اننى كنت ولازلت اؤمن بان هناك قضايا اخرى اكثر إلحاحا ينبغى ان تستأثر بالاهتمام، والا يصرف انتباه الناس عنها. غير ان امرا استثنائيا جد على المشهد، ودفعنى الى تسجيل بعض الانطباعات عنه. وهو امر يحتاج الى ايضاح.
'
عدت من سفرة الى الخارج، لاجد رسالة من الاستاذ محمد فايق الامين العام للمنظمة العربية لحقوق الانسان، مرفقا بها خمس ورقات اطلق عليها كاتبوها اسم "اعلان باريس حول سبل تجديد الخطاب الديني". وفي الرسالة ذكر الاستاذ فايق ما يفيد بأن تلك الورقات صادرة عن لقاء نظمه مركز القاهرة لحقوق الانسان، عقد بالعاصمة الفرنسية في 11 و12 أغسطس الماضي لبحث سبل العملية لتجديد الخطاب الدينى.وان اللقاء تم ترتيبه بالتعاون مع الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان، والشبكة الاورومتوسطية لحقوق الانسان، بدعم من الاتحاد الاوروبى.
 
لأول وهلة بدا الامر اشبه بنكتة، اذ وجدت ان فرنسا الكاثوليكية قد احتضنت لقاء لتجديد الخطاب الاسلامى. ومن عباءة ذلك اللقاء اطلت علينا بشارة التجديد في ثنايا "اعلان باريس". لكن وقع النكتة تراجع حين لاحظت ان الاتحاد الاوروبى هو الذى مول اللقاء، وان امر انعقاده رتبته منظمة مصرية ممولة بدورها من الخارج، بالتعاون مع منظمتين اوروبيتين، وهو ما دعانى الى التساؤل على الفور: ما شأن هؤلاء بالموضوع، ومنذ متى كانوا غيورين على الاسلام وحريصين على تجديد خطابه؟ وهل كان يمكن ان يتم اللقاء لولا انه يقف على الارضية الاوروبية ويستجيب لاولويات الاجندة الاوروبية والامريكية؟.
 
اطلعت على نص الاعلان، فلاحظت امورا ثلاثة، اولها انه يكرر الكلام المتهافت الذى رددته مهرجانات اخرى سابقة، ذلك الكلام الذى يدخل من باب الخطاب لكى يعبث بالدين ذاته ويشتبك معه. وثانيها انه ينوه باسماء طائفة من المجددين، الذين دست عليهم اسماء شخصيات مشبوهة، تسجل كتاباتها انكارا للشريعة واجتراء على العقيدة. اما ثالثها فكانت توصية بانها هامة، دعت الى: "تعريف الرأي العام بالعلمانية، وازالة الالتباس الذى لحق بمفهومها، والتأكيد على انها لا تعارض الدين كدين، ولكنها تعارض تسييس الدين".
الادهى من ذلك والامر، اننى حين القيت نظرة على المشاركين في اللقاء «29 شخصا دعوا من8 أقطار عربية»، وجدت ان 85% منهم من غلاة العلمانيين والشيوعيين السابقين (أحدهم اعترض ذات مرة على ذكر اسم الله في مستهل بيان صدر عن مؤتمر عقد في صنعاء، وآخر ألقى محاضرة قبل اشهر معدودة في جامعة برلين الحرة بالمانيا شككت في ان الوحي مصدر القرآن الكريم). وكان هؤلاء هو الذين صاغوا "اعلان باريس"، ولك ان تتصور مضمون بقية ما صدر عنهم من افكار وتوصيات بشأن التجديد الدينى.
حين رأيت الامر بهذه الصورة، ادركت ان الاستباحة جاوزت المدى. ووجدت ان الامر يجب الا يمر دون ان تقال فيه كلمة تنبه الى ما يجرى، وتحذر من مغبة المضي في ذلك الاتجاه.
 
قبل الف عام، حدثنا الامام ابو حامد الغزالى في مؤلفه "احياء علوم الدين" عن فقه المناظرات. وقال ان التعاون على طلب الحق - بعد تحرير موضوعه والاتفاق على مضمونه - له شروط، من بينها تقديم الاهم على المهم، حيث لا معنى للانشغال بفروض الكفايات عن فروض الاعيان (الاولى يؤديها نفر فتسقط عن غيره، والثانية واجب يلزم به كل احد). ومن بينها ان يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه ولا يقلد غيره، حتى اذا ما ظهر الحق في مذهب آخر التزم الحق ولم يلتزم بالمذهب. منها كذلك ان لا يناظر الا في مسألة واقعية او قريبة الوقوع، أي في شأن راهن لا ينساق المتناظرون وراء قضايا افتراضية او غير حالة، الامر الذى يحول المناظرة إلى جدل عقيم.


 يسألونك عن الجدار

لن تستطيع ان تدرك حجم الجريمة فى اقامة الجدار الاسرائيلى الا اذا رأيته بعينيك، حيث يتعذر على الكلمات ان تصف بشاعته. على الاقل فقد كان ذلك انطباعى حين رأيت مجسما له قبل ايام قليلة. وهو ما جعلنى اقتنع بان الكلام حول التفاوض او ما يسمى بخريطة الطريق، هو من قبيل العبث الذى يستهلك الوقت ويشغل العرب بما لا طائل من ورائه، او قل انه مشهد الهزل فى القصة، بينما الجد هناك فى الجدار الوحشى.
 
حين ذهب الشاعر الفلسطينى مريد البرغوثى الى مسقط رأسه فى رام الله بعد ثلاثة عقود من الغياب القسرى، فانه عاد ليخبرنا فى كتابه «رأيت رام الله» بالخبر الاليم : ان كل ما كتب فى الممارسات الاسرائيلية فى الارض المحتلة يقصر عن وصف الحقيقة التى هى بمثابة انقلاب شامل لا يكاد يبقي على شيء مما وعته الذاكرة. واحسب انه ما كان له ان يقرب الينا تلك الحقيقة لولا ان موهبته الشعرية الفذة اسعفته، ومكنته من ان يعالج قصور النثر عند القيام بالمهمة.
اجدنى فى مواجهة ذات الموقف. ذلك ان ما قرأته عن الجدار شيء. وما رأيته فى مجسمه شيء آخر، فالجدار فى التصور العادى حائط اسمنتى قد يكون شاهقا، يفترض فى التصور الاسرائيلى انه يفصل الاسرائيليين عن الفلسطينيين، ويحجب عن الاولين غضب الآخرين. لكنه فى الحقيقة شيء آخر. فهو ليس حائطا فقط، ولا هو فاصل فقط ثم انه ليس سياجا امنيا فقط كما يدعون - كيف؟
نعم، ثمة جدار اسمنتى يصل ارتفاعه فى بعض المناطق الى ثمانية امتار، اى اكثر من ثلاثة طوابق، ذلك بمثابة لقطة واحدة من المشهد اذا جاز التعبير، لاننا بازاء منطقة عازلة بين الاسرائيليين والفلسطينيين بعرض يتراوح بين50 و60 مترا. ويفترض ان تمتد بطول650 كيلو مترا، تم انجاز 150 كيلومترا منها (بدأ تنفيذ الجدار فى23 يونيو عام 2002 ، وكانت الحكومة الاسرائيلية قد اقرته بعد اجتياحها للضفة فى شهر مايو عام 2001).
الجدار ينتصب وسط المنطقة العازلة التى تتوزع على الجانبين الفلسطينى والاسرائيلى. وفى كل جانب بعض التحصينات والترتيبات. تشغل مساحة تتراوح بين 25و30 مترا. هى فى الجانب الفلسطينى كما يلى : ثمة حاجز من الاسلاك الشائكة هى اول ما يصادفه الفلسطينيون. وخلف الحاجز خنادق يصل عمقها الى اربعة امتار. للحيلولة دون مرور اية مركبات، وبعد الخنادق هناك طريق خشنة خصصت لاستخدام دوريات الجيش الاسرائيلى. ويشرف على الطريق سياج من الاسلاك بارتفاع ثلاثة امتار ونصف المتر، مجهزة بجهاز استشعار الكترونى لاكتشاف اى دخيل، وخلف السياج ينتصب الجدار الاسمنتى.
فى الجانب الاسرائيلى من المنطقة العازلة، ثمة تجهيزات اخرى تشغل ذات المساحة تقريبا، فثمة حاجز آخر من الاسلاك الشائكة لكنه هذه المرة مزود بكاميرات استطلاع منتشرة على مسافات متقاربة تعمل على مدار الـ 24 ساعة. وهناك طريق مخصص لدوريات الشرطة الاسرائيلية محاذ للجدار ومواز للطريق الذى تتحرك عليه دوريات الجيش على الجانب الآخر.
بإقامة تلك التجهيزات على الجانبين. تصبح كلمة «جدار» اختزالا خادعا ومعيبا، من حيث انها تُهَون من الامر وتطمس حقيقته. ذلك اننا بصدد منطقة عسكرية عازلة تتجاوز بكثير حدود وايقاع الكلمة، كما ان لها وظيفتها الاخطر والابعد.
 
هذه المنطقة العسكرية العازلة تمتد كثعبان وحشى ضخم يتلوى فوق الارض الفلسطينية، ملتهما القرى والزراعات وممزقا للنسيج الاجتماعى الفلسطينى، لمن شاء حظهم العاثر ان يعترضوا طريقه من اى باب. وليس صحيحا ان المنطقة العازلة تفصل بين فلسطينىي48 وتلك التى احتلت عام 67، لان «الجدار» المزعوم يتغول داخل الضفة الغربية ويؤدى عمليا الى مصادرة10 % من اراضيها فى حالة اكتماله. وحسب تقدير لوزارة الزراعة الفلسطينية نشرته القدس العربى فى 7/14 ففى المرحلة الاولى التى نفذت من الجدار (شملت الـ150 كيلو متر فقط أي حوالى ربع المشروع) تمت مصادرة ما بين160 الى180 الف دونم من الاراضى (الدونم ربع فدان)، تعادل2 % من مساحة الضفة. من جراء امتداد الجدار الى عمق ستة كيلو مترات داخل المناطق المحتلة فى عام 1967علما بأنه فى شمال الضفة اقيم فوق اهم المناطق المروية والحيوية. وقد ترتب على إنجاز المرحلة الاولى ابتلاع 17 قرية فلسطينية وادخالها ضمن «الخط الاخضر»، اى ضمها عمليا الى دولة اسرائيل، كما ضم الاسرائيليون 10 مستوطنات كانت مقامة فوق الاراضى المحتلة عام67 .
من اجل إقامة المنطقة العازلة جرفت قوات الاحتلال ما مساحته 11.500 دونم، وقلعت 83 الف شجرة، وصادرت 30 بئر مياه فى محافظتى قلقيلية وطولكرم، معروفة بطاقتها التصريفية العالية. وهذه الآبار تم حفرها قبل عام 1967 ، وتقع على الحوض الجوفى الغربى، وذلك سيفقد الفلسطينيين اربعة ملايين متر مكعب من المياه، تمثل18 % من حصتهم فى الحوض المنصوص عليها فى اتفاقيات اوسلو. اضافة الى ذلك، فقد ادى انجاز المرحلة الاولى الى تدمير البنية التحتية لقطاع المياه، من مضخات وشبكات الانابيب الخاصة بمياه الشرب والرى الزراعى، مما سيؤدي الى فقدان بعض القرى الفلسطينية لمصادرها المائية بالكامل.
الدكتور عزمى بشارة، العضو العربى فى الكنيست. وصف الجدار بانه تجسيد للوقاحة والقباحة الاسمنتية الاسرائيلية ( الحياة اللندنية -7/3 ) التى داست تحت اقدامها على مصالح ومصائر اكثر من 200 الف فلسطينى. اذ بسبب الجدار تضرر بشكل مباشر67 تجمعا سكنيا فلسطينيا، حيث مس علاقتها مع اراضيها مصادرة او عزلا او تخريبا، منها الـ17 قرية التى فصلت عن اراضيها الزراعية غرب الجدار، ولا يجد اصحابها وسيلة للوصول اليها لفلاحتها. وهناك19 تجمعا سكنيا حشرت فى التواءات الجدار بحيث اصبح سكانها فى حيرة من امرهم ذلك انهم ليسوا ممكنين من الدخول الى اسرائيل او الذهاب الى الضفة. وبالتالى فانهم لم يعودوا يعرفون لاى سلطة يخضعون ناهيك عن انقطاعهم عن مصالحهم وسبل حياتهم.


 اي كلام خارج الموضوع الفلسطيني هوإخلال بمبدأ الاولويات

عن استراتيجية التعذيب والتذويب

 عدتُ من رحلة عمل الى افغانستان محمّلاً بحصيلة وفيرة من المعلومات والانطباعات. لكني حين امضيت يوما كاملا في مطالعة الصحف التي صدرت اثناء الغياب؛ وجدت في العناوين والتقارير الفلسطينية ما يدعو الى القلق ويستوجب الاستنفار؛ على الاقل من خلال دق اجراس التحذير والانتباه. من ثم ادركت ان اي كلام خارج الموضوع الفلسطيني هو بمثابة تمرير لما يجري وإخلال بمبدأ الاولويات. وهو ترف لا نملكه فضلا عن انه يعد تخليا طوعيا عن واجب الوقت. لذلك نحيّتُ كل ما حصّلته في افغانستان جانبا؛ وقررت ان اصطف الى جانب الواقفين على باب ذلك الثغر النازف والدامي.

 

شاءت المقادير ان تبدأ الرحلة وتنتهي بالوجع الفلسطيني. فقد لقيت في مطار القاهرة شابا فلسطينيا يعمل مهندسا بدولة الامارات؛ كان قادما لتوّه من غزة بعدما امضى شهرا هناك عقد خلاله قرانه على احدى قريباته. ولان شركة الطيران الافغانية (ايريانا) فتحت خطا جديدا بين دبي وكابول؛ فقد ركبنا معا طائرة واحدة؛ وظل لأكثر من ثلاث ساعات يحدّثني عما عايشه وشاهده في غزة. من وطأة الاحتلال الى معاناة الناس وعذاباتهم اليومية؛ التي طالت أدقّ التفاصيل في حياتهم. وهو ما ذكّرني بما قرأته ذات يوم في كتاب مريد البرغوثي <<رأيت رام الله>>؛ الذي قال فيه إن احدا لا يستطيع ان يتصور حقا ما يحدث على الارض في فلسطين إلا حين يراه بعينيه؛ لان اي وصف مهما بلغت دقته وبلاغته يعجز عن أن يفي الصورة حقها. خصوصا فيما يتعلق بالتمدد الوحشي للاستيطيان الاسرائيلي والانقلاب الهائل الذي تشهده الخريطة الفلسطينية؛ ويتم بصورة يومية من خلال اعادة رسم الطرق وإحكام المعازل؛ وتحويل فلسطين الى اكبر سجن في التاريخ؛ في داخله يتم خنق الفلسطينيين من خلال كتم انفاسهم وتعريضهم للقتل البطيء.

وخزني الشاب الفلسطيني بسكين حاد حين قال ان الفلسطينيين يشعرون الآن ان الجميع تخلّوا عنهم؛ حتى اصبحوا يقفون وحدهم؛ ولا يرون إلا افقاً مسدوداً ومظلماً. واكثر ما يحزنهم ان عذاباتهم تحولت الى خبر عادي في حياة العرب؛ لا يحرك غيرة او شعورا بالخطر. واذا استثار غضب البعض وحميتهم فان ذلك الغضب سرعان ما يهدأ؛ وينصرف الناس عنه الى شواغلهم الخاصة؛ واحيانا الى العبث واللهو؛ الذي تعبر عنه الفضائيات العربية بصورة مستفزة وصارخة.

أضاف محدثي ان الشيء الوحيد المضيء في الأفق الفلسطيني الآن هو العمليات الاستشهادية؛ التي اصبحت بعض الاصوات العربية يستنكرها ويتحدث عنها باستياء يثير دهشة الشارع الفلسطيني؛ الذي عجز ان يفهم لماذا يغار على الدم الاسرائيلي بأكثر من غيرتهم على شلال الدم الذي يتدفق يوميا على الخارطة الفلسطينية كلها؛ بوتيرة متفاوتة منذخمسين عاما. ولماذا لا يدرك هؤلاء ان الشبان والفتيات الذين يضحون بحياتهم هم جزء من الجسم الفلسطيني الذي يتعرض للذبح يوميا؛ وكل ما يفعلونه هو انهم يمسكون بخناق القاتل ويحاولون منعه من الاجهاز على بقية الجسم؟

قال المهندس العائد من غزة انه يوم عقد قرانه اجتمعت الاسرتان في مجلس خيمت عليه الكآبة واجواء الحزن؛ وتبادل الجميع كلمات مبتورة؛ كانت الابتسامات خلالها تنتزع وترسم على الوجوه لافتعال فرحة سقطت من قاموس الحياة الفلسطينية. ثم انصرف الجميع مع حلول الظلام؛ وكأنهم عائدون من سرادق للعزاء. وشاءت المقادير ان تقع عملية استشهادية في ضحى اليوم التالي؛ فإذا بالدم يسري في العروق والفرحة تعم الجميع؛ حتى ان شباب الحي والعريس معهم خرجوا الى الشوارع؛ وظلوا يرقصون <<الدبكة>> حتى الظهر. لقد ردت اليهم العملية الروح؛ وأحيت في نفوسهم الامل في امكانية نقل الوجع الى العدو والخلاص منه؛ ولو بعد ألف عام.

في يوم العودة من كابول تلقيت اتصالا هاتفيا من غزة؛ من مدير احد مراكز المعلومات هناك؛ الذي نقل الي نفس الصورة؛ واعرب عن استغرابه لحالة اللامبالاة واللهو التي اصبحت تسود العالم العربي؛ ثم قال ان اجتياح غزة واعادة احتلالها بالكامل صار وشيكا؛ وهو واقع لا ريب؛ خصوصا اذا تم شن الحرب الاميركية ضد العراق. وسألني محدثي بنبرة لا تخلو من استياء ودهشة: ألا يدرك العرب ان فلسطين تصلب ويضحى بها؛ على مذبح الاستقلال والأمن والكرامة العربية؛ وان طوفانا سيغرق الجميع اذا لقيت القضية المصير الذي يراد لها الآن؟

 

حين يضع المرء عناوين الاخبار والتقارير التي خرجت من فلسطين خلال الايام العشرة الاخيرة؛ لا بد ان تصدمه النتيجة. اذ تقع عيناه على صورة مكثفة للمشهد؛ لا يكاد يلحظها قارئ الصحيفة الصباحية؛ الذي يرى العنوان الفلسطيني ضمن عناوين اخرى كثيرة؛ ثم يطوي الصحيفة او يلقي بها جانبا؛ ويعود الى انشغاله بأموره الاخرى.

هذه <<الصدمة>> تلقيتها حين اجتمعت أمامي الصحف التي صدرت خلال الرحلة؛ وكانت سبباً في انقطاعي عن احداث العالم الخارجي؛ والعالم العربي ضمنا. ذلك ان الذاهب الى افغانستان ينتقل الى كوكب آخر في حقيقة الامر. كما ينقطع عن احداث العالم الخارجي. والوافد اذا كان محظوظا او من أهل الوجاهة فقد يُتاح له ان يتابع ما يجري في العالم إذا أُعطي في الفندق غرفة مزوّدة بتلفزيون (واذا لم ينقطع التيار الكهربائي بطبيعة الحال!) ولكنني لم اكن من هؤلاء؛ حيث حمدت الله وقنعت بغرفة مزودة بالمياه؛ وتزورها المياه الساخنة زيارة عابرة كل ثلاثة ايام؛ وبسبب من ذلك فقد كنت من ضحايا ذلك الانقطاع عما يجري في الكرة الأرضية طيلة فترة الزيارة؛ اذ بالكاد كنا نعرف ما يجري في كابول؛ في حين يجري التعتيم في الاغلب عما يحدث خارجها؛ خصوصا فيما يتعلق بعمليات القوات الاميركية والاشتباكات المستمرة معها في الجنوب والشرق.

حين وضعت العناوين الفلسطينية جنبا الى جنب وجدت انها ترسم صورة خلاصتها ان الشعب الفلسطيني يتعرض للابادة والتعذيب؛ كما ان القضية برمتها تتعرض للتذويب. وادركت ان ما تنشره الصحف كل صباح هو في حقيقة الامر عرض لإحدى حلقات ذلك المسلسل. فما من يوم إلا وهناك قتلى وقصف وتدمير للبيوت واعتقالات واستيلاء على الاراضي الفلسطينية؛ وتوسيع للمستوطنات؛ وتكثيف من الحواجز؛ واقتحام لمناطق جديدة. هي ليست قصة مكررة؛ لان التكرار يفترض ان تتحدث عن نفس الشيء محكوماً بإطاره المكاني والزمني. اما حين تتكرر الوقائع ذاتها على مسرح مختلف كل يوم؛ وفي اطار مكاني وزماني مغاير؛ فإننا نصبح بصدد شيء مختلف؛ اسمه جريمة مستمرة؛ وربما كان الأدق ان يوصف بأنه مسلسل طويل يفضي الى نتيجة عدمية يدمر فيها كل شيء؛ بحيث لا يبقى على مسرح الحدث سوى اطلال المباني واشلاء البشر.

لا يحتمل المكان ان استعرض العناوين التي أعنيها؛ لكني احسب ان البعض منها يفي بالغرض. من هذا البعض مثلا: احتلال قرية <<بيت ابا>> للمرة الرابعة فلسطين سجن كبير وشعبها ينتظر <<الفورة>> (المقصود فترة السماح التي تعطى لنزلاء السجون لكي يخرجوا من الزنازين لرؤية الشمس والمشي لبعض الوقت في فناء السجن) استشهاد فلسطينيين بقذائف دبابة اسرائيلية قرب نابلس 10 اشخاص ضحية هدم منزل دمره الاسرائيليون الاطفال الاسرى يعانون من التعذيب والاذلال في سجون الاحتلال كارثة صحية: الاطفال الفسطينيون يعانون من <<الانيميا>> وآثار الغازات السامة حواجز اسرائيلية تحاصر مدينة نابلس من الخارج وأخرى تقسمها من الداخل حظر التجول يربك حياة الفلسطينيين و2 مليون ينامون ولا يعرفون على اي إجراء عسكري جديد يصبحون جمعية اسرائيلية لحقوق الانسان تتحدث عن استخدام الجيش الاسرائيلي قذائف محظورة رخص حياة الفلسطينيين ظاهرة واضحة وحوادث قتل الاطفال والابرياء زادت بصورة كبيرة (هآرتس) رئيس الاركان الاسرائيلي: الضربات الاميركية <<الوقائية>> تبرر الاغتيالات بحق الفلسطينيين شارون: اتفاقات اوسلو وترتيبات كامب ديفيد وطابا لم تعد قائمة 15 دبابة اسرائيلية اقتحمت دير البلح ليس في الثلاجة إلا الزعتر والاطفال يتضورون جوعا نقل جريحين الى قلب جنين وقتلهما بدم بارد امام الاهالي اسرائيل استخدمت في غزة قذائف محظورة تطلق آلاف القطع المسمارية لايقاع اكبر عدد من الاصابات والقتلى... وهكذا.

 

ليست هذه حرب؛ لان للحرب قوانين وأعرافا وأخلاقا؛ وليس لشيء من ذلك وجود في المشهد. ولكننا بصدد حالة من الافتراس الهمجي الذي لا يدع وسيلة للاجهاز على الآخر إلا واستخدمها. وكلما استعصت الضحية وقاومت؛ كلما اهتاج القاتل وازداد شراسة وخسة. وما التجويع المتعمّد؛ ومنع الادوية والامصال؛ واذلال الجميع؛ والمرضى في المقدمة منهم؛ عند الحواجز المنتشرة في كل مكان إلا من تجليات تلك الخسة.

وقعت على تقرير تحدث عن الكارثة الصحية في فلسطين؛ ونقل عن الدكتور عبد الجبار الطيبي مدير الرعاية الاولية بوزارة الصحة الفلسطينية قوله ان ما نسبته 45% من الاطفال دون سن الخامسة يعانون من الانيميا؛ وان 55% من السيدات الحوامل يعانين من نفس المرض. واضاف ان ذلك يحدث في الوقت الذي ازدادت فيه حالات نقص الوزن والطول عند الاطفال بنسبة تجاوزت 13%.

ذكر التقرير ان مصدرا طبيا في مستشفى دار الشفاء بمدينة غزة قال ان المستشفى استقبل حالة ولادة غاية في الغرابة؛ حيث وضعت سيدة فلسطينية طفلا غير محدد الجنس؛ وجسده بدون اطراف؛ ويعاني من تشوّهات خلقية في الوجه؛ وقد ولد الجنين في حالة سيئة جدا؛ ولم يتجاوز وزنه كيلو غرام واحد؛ بينما طوله لم يتجاوز 27 سنتيمتراً.

قال المصدر الطبي انه رغم ان هذه الحالة استثنائية إلا ان حالات تشوه المواليد اصبحت ظاهرة في المجتمع الفلسطيني في ظل الانتفاضة؛ وهو ما حدث في السابق حين وقعت انتفاضة عام 1987. وذلك التشوه ناجم عن النقص الحاد في التغذية او نتيجة لاستنشاق الامهات للغازات السامة والمواد الاشعاعية التي تطلقها قوات الاحتلال بين الحين والآخر؛ عن طريق الطائرات التي لا تكف عن التحليق في سماء المدن والقرى الفلسطينية.

تلك مجرد لقطة واحدة من فصل الخسة في سجل الافتراس الاسرائيلي للشعب الفلسطيني؛ واللقطات الأخرى المماثلة تفوق الحصر؛ وكلها تدور حول محور واحد مركب من التعذيب والاذلال وسحق الارادة.

 

في الظلمة الحالكة تلمع أشياء من ذلك القبيل الذي يرد الروح الى القلوب المتعبة والنفوس التي اصبحت عصية على الانكسار. نعم العمليات الاستشهادية تتربع على القمة؛ حيث تكفكف الدمع وتمسح الحزن وتحيي الامل؛ لكن هناك ممارسات اخرى بسيطة تصب في ذات الوعاء. نابلس المحاصرة؛ التي يسكنها 200 ألف نسمة يصر الاسرائيليون على حصارهم وسجنهم؛ ومن ثم خنقهم واذلالهم شهدت محاولات من ذلك القبيل. فبعد اغلاق المدارس او تدميرها؛ اقام بعض الناشطين مدرسة شعبية في احدى ساحات المدينة القديمة؛ اطلقوا عليها <<مدرسة شهداء نابلس>>. في تقرير نشرته صحيفة <<القدس>> اللندنية حول المشروع ذكرت ما يلي: الاطفال يحضرون مبكرا الى الساحة ويبدأون بتجهيز المدرسة التي هي عبارة عن صناديق خضار فارغة يضعون فوقها ألواحا خشبية ويرتبونها بشكل متواز ويقسمونها الى اجزاء حسب صفوفهم؛ ويقفون بانتظام لحين وصول الاستاذ الذي سرعان ما يبدأ بتوزيع الاطفال على مقاعدهم الخشبية كل حسب عمره كي تبدأ الجولة الصباحية من التدريس بحيث تليها جولة اخرى في المساء.

التاسعة صباحا هو موعد الحصة الاولى والتي يبدأ الاطفال بالنشيد وقراءة الفاتحة؛ ومن ثم يبدأ التدريس على مراحل متعددة بعد ان يقوم بعض المتطوعين من لجان البلدة بتوزيع الاقلام والدفاتر على الاطفال؛ وتقوم احدى المؤسسات بتقديم ألواح صغيرة وطباشير يستخدمها الاطفال في الكتابة.

الحضور مكتمل باستثناء مقعد واحد ترك فارغا... انه مقعد الطفل الشهيد عبد الله سمير الشعبي (8 سنوات) الذي سقط في مجزرة نابلس مع باقي افراد عائلته؛ وفاء له ترك زملاؤه مقعده فارغا ووضعوا عليه اكليلا من الزهور.

يحضر الاطفال قبل موعدهم بكثير. تقول أم احمد التي احضرت اطفالها الى المدرسة <<لقد فرحوا كثيرا عندما اخبرناهم بأنهم ذاهبون للمدرسة. لقد مرّ اكثر من اسبوع على بداية العام الدراسي والاطفال لم يذهبوا الى مدارسهم الحقيقية؛ هم يدركون جيدا ان السبب وراء ذلك هو اسرائيل... واذا سألت اصغرهم سيجيبك ان هناك احتلالا يحرمه من التوجه لمدرسته وتلقي العلم>>.

من نماذج الاضاءات ايضا تلك الفكرة التي تبنّتها مؤسسة <<كرامة>> في نابلس؛ بدعم من <<مؤسسة إنقاذ الطفل>> الفلسطينية؛ واختارت ان تسهم في مساعدة الاطفال الفلسطينيين على تجاوز آثار السجن الاسرائيلي. اذ جندت مجموعة من المتطوّعين للترفيه عن الاطفال الذين اصبحوا اسرى للبيوت وضحايا للترويع المستمر. في كل المواقع التي تم بها البرنامج (البلدة القديمة كروم عاشور رأس العين الجبل الشمالي المساكن الشعبية مخيمات عسكر القديم والجديد عسكر البلد قرية بيت ايبا) عقدت 18 ورشة للاطفال أشرف عليها 25 متطوعا من الناشطين العرب والاجانب. ولإنجاح البرنامج الترفيهي قدم الاهالي بيوتهم لتكون ساحة آمنة تنظيم تلك الورشات؛ وشكّل الآباء ساترا لحمايتهم؛ وقدموا كل ما استطاعوا تقديمه لإنجاح المحاولة وجذب المزيد من الاطفال المقهورين إليها؛ وكان ولا يزال شعار البرنامج هو: <<نصرّ ان نحيا>>.

 

اذ يستمر التعذيب والتجويع على ذلك النحو؛ فإن عملية تذويب القضية وإزالة معالم الوطن مستمرة على قدم وساق. وقد جاء الاعلان الأخير لرئيس الوزراء الاسرائيلي بانتهاء اتفاقيات وتفاهمات اوسلو وكامب ديفيد وطابا؛ بمثابة إشهار لتلك العملية. اذ بمقتضى ذلك الالغاء فإن القضية الفلسطينية لم تعد مرتبطة بشيء؛ وإنما اصبحت معلقة في الفراغ بانتظار حدوث <<شيء ما>> في المنطقة؛ الامر الذي لا يستغرب معه ان يشبه رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون المرحلة <<بحرب الاستقلال>> في سنة 1948.

ان الشعار المرفوع الآن يدعو الى حل القضية الفلسطينية وايجاد الدولة بشرط واحد هو: تغيير السلطة وخلق سلطة جديدة لا تتعامل بالارهاب وغير فاسدة؛ وديموقراطية. وهو ما ادركت منه الفصائل الفلسطينية المختلفة ان المطلب الحقيقي هو عزل حركة التحرر الوطني الفلسطيني عن اي شكل من اشكال الكيان الفلسطيني المطلوب؛ الامر الذي يعني من الناحية العملية انهيار كل الآمال التي عُقدت على النضال الفلسطيني طيلة الخمسين سنة الاخيرة. وهو ما يعني ايضا تذويب السلطة وتذويب حركة التحرر الفلسطيني وازالة الوطن الفلسطيني من خارطة المنطقة؛ الى جانب استمرار القتل البطيء للفلسطينيين. كل ذلك على مرأى ومسمع من الجميع.
 



المسكوت عنه في فلسطين

تحولت الحواجز الى مذبح للكرامة الفلسطينية، وساحة لتوزيع جرعات المذلة والهوان على الجميع بلا تمييز، فقد قسم الاسرائيليون الضفة الغربية الى 300 منطقة احتلالية تفصل بينها الحواجز، الامر الذى فرض على الفلسطينيين طقوسا خاصة لأن الفلسطيني أصبح مخلوق الله المستباح، فان وقائع إبادته وتدمير حياته وإذلاله، التى تطالعنا بكثافة وبوتيرة يومية منذ أشهر، باتت اخبارا عادية لاتثير الانتباه فضلا عن ان تحرك الشعور. ولئن حدث ذلك فى غمرة انشغال الناس باخبار الحرب التى لم تقع، فما بالك به لو وقعت!
 
يوم الأحد الماضى 2.23 نشرت الصحف خبرا من روما يقول إن الفى شخص نظموا مظاهرة طافت بشوارع المدينة، رفعوا خلالها لافتات طالبت بحماية «كرامة القطط». وقال منظمو المظاهرة من ممثلى جماعات الدفاع عن القطط ان فى المدينة 150 الف قطة شاردة، لايعاملها سكان المدينة بطريقة لائقة، فى حين انها احوج ما تكون الى الرعاية خصوصا فى أجواء الصقيع التى تعيشها اوروبا الآن.
فى اليوم ذاته نشرت الصحف تقريرا من نابلس عن الاجتياح الاسرائيلى لإحياء المدينة القديمة، بما استصحبه من اطلاق عشوائي للنيران وتفجير لستة بيوت، الامر الذى ادى الى تشريد 14 اسرة، وخروج الامهات والاطفال وهم يرتجفون الى الشوارع المغطاة بالثلوج والاوحال. الرجال اختطفوا تحت جنح الظلام الى مكان مجهول وهم مقيدون بالحبال. اما النساء والاطفال، فقد هاموا على وجوههم بحثا عن مكان يؤويهم من البرد والفزع.
حين طويت الصحيفة لاحقتنى فكرة المقارنة بين حظوظ القطط فى روما، وحظوظ الفلسطينيين فى الارض المحتلة . وبدت المفارقة كاشفة ومروعة بين قطط شاردة وجدت من يدافع عن كرامتها وحقها فى الحياة هناك، وبين رجال يساقون الى الموت تحت جنح الظلام، ونسوة واطفال فى فلسطين يواجهون مشكلة التشرد، ولا احد فى العالم يعيرهم التفاتا او يدرك ان لهم كرامة او حقا فى الحياة.
المذهل فى الأمر أن عملية الابادة والتدمير اليومى للبيوت والمرافق والانسان الفلسطينى أصبحت جزءا من نمط الحياة فى الارض المحتلة، حيث كتب على سكانها ان يعانقوا الموت والذل والخراب طوال الوقت. ولان العملية لم تتوقف منذ بدأت الانتفاضة (فى عام ألفين) فان احداثها ووقائعها تحولت فى الخطاب الاعلامى والسياسى الى ارقام. وصرنا ونحن فى الخارج نقرأ ان كذا شهيدا قتلوا وكذا جريحا سقطوا، وكذا بيتا هدمت، ومع اعتياد الناس على تلك الارقام، فان كثيرين أصبحوا يقرأونها كما يقرأون اخبار الصعود والهبوط فى اسهم البورصة. يرفعون حواجبهم اذا ارتفعت قيمتها، ويقلبون شفاههم اذا ما انخفضت. لكن هذا وذاك لا يغير كثيرا من مزاجهم وهم يحتسون قهوة الصباح.
 
فى غزة وحدها هدم الاسرائيليون منذ بدء الانتفاضة حوالى 800 منزل تسكنها 1100 عائلة تضم ستة آلاف شخص، حسب احصاءات وكالة غوث اللاجئين. وهذه المنازل سويت بالارض، ولم يعد فيها حجر فوق حجر. ومذبحة المنازل هذه جديدة فى تعامل الاسرائيليين مع الفلسطينيين، والهدف منها يتراوح بين الانتقام والترويع. فى السابق كانت اسرائيل تهدم بيتا او اثنين كل عدة اشهر، كما ذكرت كارين ابو زيد، احدى موظفات وكالة الغوث. ولكن حين اصابت الانتفاضة اسرائيل بالوجع، خصوصا من خلال العمليات الاستشهادية، فان لوثة اصابت ساستها وعسكرييها الذين اطلقوا عنان الدبابات والجرافات التى اصبحت تهدم البيوت بالعشرات، ولم يكن ذلك مقصورا على غزة وحدها بطبيعة الحال، وانما انطبق بذات القدر على الضفة . وهدم البيت ليس مجرد تقويض لمبنى، ولكنه فى حقيقة الامر تدمير لحياة اسرة كاملة، واعادتها الى نقطة الصفر، بلا مأوى او اثاث او حتى ثياب، الامر الذى ينسف كل ما دبرته ووفرته فى حياتها، ويحول من بقي على قيد الحياة منهم الى مشردين ومتسولين. ناهيك عن كونه جريمة غير انسانية لانظير لها، بمقتضاه تعاقب الاسرة بمختلف اجيالها المكدسة فى البيت، من جراء فعل منسوب الى احد افرادها، وهو فى العادة احد عناصر مقاومة الاحتلال.
ناهض الحلو من ابناء غزة لم يكن من هؤلاء ومع ذلك نسف بيته فى احدى الحملات الاسرائيلية المجنونة على القطاع. بل وقتل ابناه علاء وسعيد مع ابن خالتهم تامر درويش، حين انهار المبنى فوق رؤوسهم، واختلطت اشلاؤهم بالركام كما اختلطت دماؤهم بالوحل الذى غمر المكان.
فى مخيم المغازى بالقطاع، حاصرت القوات الاسرائيلية منزل سلامة بن سعيد، والد الشهيد بهاء، الذى كان قد نجح فى اقتحام احد المستوطنات، واعتقلت ثلاثة من اخوة الشهيد، ثم قامت بتفجير المبنى الذى انهار فوق ام الاولاد كاملة سليمان بن سعيد (65 سنة) - ووقع الحادث فى اعقاب تفجير مبنى آخر فى «بيت لاهيا»، سقط فوق مالكه الذى كان عجوزا فى السبعين من عمره.
فى غزة ايضا جلست عجوز كفيفة فى التسعين من عمرها فوق انقاض منزلها الذى دمر فى حياتها خمس مرات، فى حين قتل الاسرائيليون ابناءها الاربعة واحدا تلو الآخر، لم يبق فى عين العجوز - ام عابد الزريعى - دمع تذرفه، ولا امل فى الدنيا تتعلق به، حتى ارادت ان تدفن مع الانقاض. وحدها الامطار الغزيرة اضطرتها الى مغادرة المكان والاحتماء بجدار نجا من التدمير.
فى قرية «النبى الياس» القريبة من قلقيلية، فوجئ محمد حنون، ابو شادى، بالجرافات الاسرائيلية وهى تنهش اشجار الزيتون التى تعتاش منها اسرته، اذهلته المفاجأة، ولم يصدق ان كل ما زرعته عائلته، وسقط على الارض بغير حراك. وحين نقلوه الى المستشفى قال الاطباء ان جلطة قلبية داهمته فاصابته بفقدان النطق والشلل.
فى مخيم بلاطة بمدينة نابلس اقتحم الاسرائيليون بيت محمد مسيمى لاعتقال ابنه الناشط فى كتائب الاقصى. وحين لم يجدوا الابن، امروا العائلة بمغادرة المبنى، فانصاعوا بطبيعة الحال، ولكنهم حين عادوا إليه بعد حين صدمهم الخراب الذى حل به، فسقط الاب على الارض من هول ما رأى، حيث اصابته نوبة قلبية أودت بحياته.
هذه مجرد نماذج للاحداث اليومية التى اصبحت تقع على هامش عمليات الاجتياح وتجريف الارض والقتل المتعمد، الذى يستهدف الناشطين او القتل العشوائى الذى يراد به الترويع والتركيع.
 
هدم البشر واذلالهم لا يقل خطورة، وربما كان الاخطر، لانه يراكم المرارة والحزن، ويحول الناس بمختلف اعمارهم الى قنابل غضب موقوتة تمشى على الارض. وذلك وجه للمشهد الفلسطينى لايراه كثيرون. لان التقارير الصحفية ووسائل الاعلام تركز على الصفحات المكتوبة بالدم فى السجل الفلسطينى، ولاتتوقف كثيرا عند تلك المكتوبة بالدمع والتى ترسمها الزفرات والشهقات والمرارات.
فى 2002/11/16 قدم التليفزيون الاسرائيلى برنامجا تضمن شهادات لجنود خدموا فى الضفة الغربية، ذكروا ان قادتهم سمحوا لهم بالرهان فيما بينهم على اطلاق النار على الفلسطينيين لمجرد التسلية «وقتل» الوقت، وشهد الجنود بأن عددا من قادتهم امروهم بان ينهالوا بالضرب المبرح على كل ما يصادفونه من الذكور اثناء مداهمة بيوت الفلسطينيين، احدهم قال انه رأى ثلاثة من زملائه فى نابلس اوسعوا ثلاثة شبان فلسطينيين ضربا حتى نزفت الدماء منهم، ثم قاموا برسم شعار لواء «المظليين» الذى ينتمون اليه على الحائط بتلك الدماء النازفة، آخرون من لواء المشاة «هناحل» قالوا انهم قاموا بنتف لحى ثلاثة من الشيوخ الفلسطينيين فى احدى خرائب بلدة دورا شرق مدينة الخليل، شهد بعضهم ايضا بأنهم رأوا زملاءهم وهم يطلقون النار عامدين على الدواب والماشية الفلسطينية، وفى احدى المرات قتلوا 15 رأس ماشية دفعة واحدة، فى البرنامج اقرت الشرطة العسكرية بانها سجلت 250 حالة قام فيها جنود الاحتلال بنهب وسرقة البيوت الفلسطينية اثناء الاقتحام.


سجل الإبادة المسكوت عليه

حين تنكشف أمام الرأي العام الغربي في الظروف الراهنة حقائق اسلحة الدمار الشامل التي تكدسها اسرائيل، فاننا في لحظة كهذه ينبغي الا نكتفي بموقف المتفرجين او المراقبين.. ببساطة لان هذه الاسلحة موجهة ضدنا، ونحن ضحاياها المرشحون. من ثم فنحن بازاء فرصة لا تضيع ولا تعوض، تتيح لنا ان نسلط الضوء على فصل الابادة في السجل الاسرائيلي الوحشي، الذي يحفل بجرائم ضد الانسانية مدفونة ومسكوت عليها منذ نصف قرن.

لا اعرف كم مرة استخدمت مصطلح «اللامعقول» في وصف احداث زمننا العربي، لكنني لا بد أن اسجل ان الكثير مما يجري في هذا الزمن يصدم ابناء جيلنا على الاقل، ويتجاوز قدرتهم على الاستيعاب والفهم. حتى اذا استسلم الواحد منا لانفعالات جهازه العصبي فأغلب الظن انه سيجد نفسه فاغرا فاه طول الوقت. ليس لشدة العجب والمفارقة فيما يشاهده فحسب، ولكن ايضا لان المستجدات تأتي كل حين بما هو اعجب واغرب. وازعم ان الذي حدث في اجتماعات «الشونة» ينتمي الى ذلك الصنف الاخير.
لا مقارنة بين التغطية الاعلامية واسعة النطاق التي حظيت بها اجتماعات المنتدى، وبين الشح او التعتيم الاعلامي الذي كان من نصيب المؤتمر القومي العربي، هذا اذا استثنينا الاعلام اليمني بطبيعة الحال ـ وهي حظوظ افهمها، خصوصا ان المؤتمر القومي يبدو في الاجواء الراهنة وكأنه شيء ينتمي الى الماضي، ويتحدث بلغة تآكلت حتى كادت مفرداتها تسقط في الخطاب العربي المعاصر، ولا غرابة في ذلك، فبيان المؤتمر ركز على المقاومة والصمود وتحرير الارض ومقاطعة اسرائيل والولايات المتحدة، وعن الامة الواحدة، وحلمها في العزة والاستقلال والوحدة، في حين ان حوارات المنتدى مضت في اتجاه معاكس تماما لكل هذه العناوين والمفردات.
بالمقارنة بين خطابي المؤتمرين، بدا وكأن اعضاء المؤتمر القومي الذين اجتمعوا في صنعاء وتجاوز عددهم المائتين. قدموا من مختلف انحاء العالم العربي، بمثابة مجموعة تعتنق فكرا سيا سيا «سلفيا» بينما الذين اجتمعوا على شاطىء البحر الميت كانوا حداثيين بامتياز. من زاوية اخرى فإن الذين اجتمعوا بالاردن «1200 شخص» كانوا يحاولون صياغة مستقبل المنطقة، اما الذين اجتمعوا في صنعاء فإنهم كانوا يحاولون قراءة ذلك المستقبل ويتشبثون بفكرة تصويبه وتصحيح مساره.
اما ما بدا خطيرا ومثيرا للغاية، فهو هوية الحضور في المؤتمرين، اذ في حين كان المشاركون في مؤتمر صنعاء ينتمون الى شريحة المثقفين العرب الاقحاح، الذين قدموا من مشرق الامة ومغربها، حاملين معهم هموم الامة واحلامها، فإن الذين جاءوا الى اجتماعات المنتدى لصناعة التاريخ في بلادنا كانوا خليطا عجيبا من البشر، الذين استقدموا من مختلف اصقاع الارض، وقد زادت فيهم نسبة العجم على العرب، لذلك لم يكن غريبا ان يدور حوارهم حول المسقبل العربي بالرطانة الانجليزية، ولا تسأل عن صلتهم بالهم او الحلم العربيين. اما الادهى من ذلك والامر فإن الجميع وان كانوا قد التقوا على ارض عربية من الناحية الجغرافية، الا ان مناقشاتهم جرت على ارضية سياسية امريكية واسرائيلية، ولذا كان الامريكيون اكبر الوفود عددا واثقلهم وزنا يتلوهم الاسرائيليون.

لم تصدق عيناي الكثير مما قرأته من تقارير عما دار في المنتدى. حتى انني كنت اطوي الصحيفة كل صباح واتمتم: حلم هذا ام علم؟ وحين استعرضت في النهاية القصاصات التي استقطعتها، وجدت انها تمثل مادة خصبة لكتابة عدة حلقات تحت عنوان: صدق او لا تصدق. ولست في ذلك مبالغا، فحين نجد مثلا ان العراق كان ممثلا في اجتماعات المنتدى بموظف امريكي نصبته واشنطن على رأس ذلك البلد العربي الكبير، فإن ذلك مما لم يخطر على قلب بشر يوما ما.
وحين نقرأ الاخبار التي نشرت عن اجتماعات بين شخصيات عربية واسرائيلية، وعن الاختراقات التي احدثتها اسرائيل في الساحة العربية، من خلال مشروعات مشتركة بحثت وترتيبات للتطبيع تم الاتفاق عليها، فإن ذلك مما يصعب تصديقه. خصوصا ان تلك الدول العربية التي تورط ممثلوها في تلك الاتصالات لم تكن مضطرة الى ذلك. ولا تفسر لما
اقدمت عليه الا بحسبانه نوعا من الاستجابة او الاسترضاء للامريكيين، الذين يلحون في كل مناسبة على ادخال اسرائيل في نسيج المنطقة.
لقد قرأت ان مسؤولا خليجيا كبيرا بدرجة ولي للعهد ـ عقد اجتماعا مع وزير الخارجية الاسرائيلي، وصرح بعد اللقاء بأن ما تم لم يكن «تطبيعا» في حين ان المصادر الاسرائيلية تحدثت عن اتفاق لفتح مكتب تجاري «هو في الحقيقة تمثيل دبلوماسي» في عاصمة الدولة الخليجية التي نفت نبأ الاتفاق، وتحدثت صحيفة «يديعوت احرونوت» «في 23/6» عن مشروع نوقش اثناء المؤتمر لاقامة كتلة اقتصادية بين اسرائيل وفلسطين والاردن والعراق. وعن دعوة امريكية لرجال الاعمال الاسرائيليين للاسهام في مشروعات اعمار العراق. كما افاضت التقارير في الحديث عن اجتماعات عقدت بين العديد من رجال الاعمال الخليجيين بوجه اخص وبين الاسرائيليين. وازاء هذه الاجواء فإن مراسل «يديعوت احرنوت» اعتبر ما جرى في اجتماعات المنتدى يمثل «تغييرا جذريا ودراماتيكيا في النهج العربي تجاه اسرائيل» 22/6» وهو ما ايده مراسل «الاهرام» الذي ذكر في تقرير له نشر في «26/6» ان اسرئيل المستفيد الاول من اللقاءات التي تمت على شاطىء البحر الميت.
لا يستطيع المرء وهو يتابع مشهدا من ذلك القبيل ان يتجاهل مفارقتين، الاولى ان هذا التقارب العربي الاسرائيلي يحدث في ظروف تآكل العلاقات العربية العربية، والثانية انه حدث بينما تواصل اسرائيل سياسة سحق الفلسطينيين بالقتل وتدمير اسباب الحياة، على مرمى البصر من المنتجع الذي تمت فيه اللقاءات. وقد واصلت عمليات السحق والقتل حتى اثناء انعقاد جلسات المنتدى، الامر الذي يوحي بأنه ثمة انتكاسة خطيرة في الاداء السياسي العربي ادت الى اخراج او تهميش دور القضية الفلسطينية من سياق العلاقات مع اسرائيل. وهي القضية التي كانت يوما ما العنصر الحاكم لمسار تلك العلاقات.
لسنا نبالغ والامر كذلك، اذا قلنا ان اجتماعات المنتدى كانت تدشينا لطور جديد في تطبيع العلاقات مع اسرائيل، بقدر ما انها جاءت قفزا فوق الملف الفلسطيني واشهارا لتراجعه. وقد كان عزمي بشارة الكاتب والسياسي الفلسطيني على حق حين ادرك ذلك التحول وضاق ذرعا به، فكتب متسائلا: كيف يمكن عقد مؤتمر اقتصادي دولي «من ذلك القبيل» دون ان يثير العرب موضوعا مثل جدار «الابارتهايد» «الفصل العنصري» الذي تقيمه اسرائيل، مغيرا طبيعة البلاد والمجتمع في فلسطين بشكل جذري، ومدمرا بشكل فوري حياة 15 الف عائلة فلسطينية؟.. وهل يمكن عقد مؤتمر اقتصادي على بعد عشرات الكيلومترات من هذه الكارثة دون اثارة موضوع تخريب اسرائيل الجاري للاقتصاد الفلسطيني، وهي التي تطالب بزوال الحدود الوطنية امام ضرورات التعاون الاقتصادي، وتمتدح غياب الحواجز الجمركية في العراق «لتصرف بضائعها» في حين تبني جدارا عنصريا يحطم اي امكانية لوجود اقتصاد على طول الضفة الغربية «الحياة اللندنية 26/6».

الولايات المتحدة تقمصت في المؤتمر دور المبشر والراعي الذي جاء منتصرا ورافعا رايات الدفاع عن الديموقراطية، بحسبانها مدخلا لاعادة تشكيل المنطقة على النحو الذي تنشده. وهو التشكيل الذي بات واضحا ان خارطة الطريق، واحتلال العراق يمثلان مدخلا اليه.
بلغة المنتصر قال كولن باول الذي جاء الى عمان قبل يومين من انعقاد المنتدى ان الولايات المتحدة «تسعى لاعادة بناء المنطقة العربية سياسيا واقتصاديا» (الاهرام 23/6) ـ وفي اليوم ذاته نشرت «الحياة» اللندنية على صفحتها الاولى تصريحات لوزير الخارجية الامريكي قال فيها: بعد التقدم على الجانب الفلسطيني الاسرائيلي، يمكن بناء خريطة اخرى لسوريا ولبنان، في اشارة صريحة الى توسيع الدور الامريكي في المنطقة لتسوية الاوضاع المعلقة بين العرب واسرائيل، او بالدقة لتلبية المتطلبات الامنية للدولة العبرية، لكي تتحرر من الاعباء التي تحول دون قيامها بالدور المرجو لها في مخططات اعادة التشكيل.

واذا تحولت الديموقراطية الى مصطلح تلوكه مختلف الالسن ويدور النقاش حوله في الجلسات المتعاقبة، فإن صحيفة سويدية خبيثة سألت بول بريمر «الحاكم الامريكي للعراق» بعد حديثه المطول عن مستقبل اعمار العراق: هل استشرتم الشعب العراقي بخصوص مشاركتكم باسمه؟ فأجابها الرجل بمنتهى الهدوء قائلا: لا، لم نفعل؟

المقاصد والمرامي البعيدة كانت الشق المغيب او الجزء الغاطس في المشهد، وما هذا الذي تابعناه سوى تفاصيل كانت تتحرك في الاطار المرسوم، لكي توصل الى الهدف المرصود. ولكي نقف على تلك المقاصد فإن علينا ان نعود بالذاكرة قليلا الى الوراء، ونراجع الخطاب الذي القاه الرئيس بوش في التاسع من شهر مايو الماضي، في جامعة جنوب كاليفورنيا، وتحدث فيه عن رؤيته للمنطقة، ملوحا بإقامة الدولة الفلسطينية «بعد القضاء على المقاومة» ومعلنا عن اقتراحه انشاء منطقة تجارية امريكية ـ شرق اوسطية خلال عقد من الزمن. وقد استأثر حديثه عن الدولة الفلسطينية بالاهتمام والتركيز، بينما لم يهتم كثيرون باقتراحه اقامة المنطقة الحرة.
لفت الانظار في وقت لاحق ان مدير المنتدى الاقتصادي العالمي فردريك سكري ادلى بحديث نشرته صحيفتا القدس العربي والوطن القطرية في 19/6، وسئل عن السبب في عقد دورة استثنائية للمنتدى في الاردن بدلا من «دافوس»، مقره الاعتيادي، اجاب قائلا ان احد اهم الاسباب هو «اقامة منطقة للتجارة الحرة في الشرق الاوسط، بحلول عام 2013» واعاد التأكيد في حديثه على هذه النقطة مضيفا بعدا اخر مهما. حيث قال ما نصه «من القضايا المطروحة على جدول اعمال المنتدى مسألة اقامة منطقة التجارة الحرة في الشرق الاوسط، يفترض ان تضم جميع دول المنطقة بما فيها اسرائيل».
اضاف مدير المؤتمر الى اسباب عقد المنتدى بالاردن في هذا التوقيت انه يعقد «وسط الازمة الحقيقية التي تهدد الامن العالمي» ـ اي القضيتان الفلسطينية والعراقية ـ «وبالقرب من العراق، البلد العربي الذي يثير اهتمام العالم الان، لاعادة اعماره والوصول الى اسواقه».
واذا لاحظت التطابق في «الرؤية» بين حديث الرئيس الامريكي وتصريحات مدير المنتدى العالمي، فإنك لن تحتاج الى بذل جهد لكي تدرك العوامل التي حركت الدعوة الى عقد الدورة الاستثنائية للمؤتمر، والعناصر التي تحكمت في تحديد زمانه ومكانه، الامر الذي لا يدع مجالا للشك في اننا بازاء «اجندة» امريكية في البدء والمنتهى. وهو ما يدعونا الى قراءة التفاصيل التي مررنا بها بعين اخرى، ترى في خريطة الطريق طورا ينهي المقاومة الفلسطينية ويتيح لاسرائيل التحرك بحرية واطمئنان في المنطقة، ويمكنها من استكمال حلقات تطبيع العلاقات مع الدول العربية. كما ترى في احتلال العراق طورا اخر يؤدب نظاما «مارقا» ويقوض قدرته العسكرية التي توجست منها اسرائيل، ويدخل امكانيات العراق النفطية ومشروعاتها الصناعية ضمن الامكانيات الكبيرة التي يمكن الافادة منها، الامر الذي يمهد الطريق لاقامة منطقة التجارة الحرة التي تضم اسرائيل، ويعيد الى الاذهان مرة اخرى مشروع الشرق اوسطية الذي تحدث عنه شيمون بيريز وتبنته حكومة حزب العمل يوما ما.

لا يكتمل ذلك التحليل اذا لم نتعرف على النواة المرشحة لمنطقة التجارة الحرة، وهي نموذج «المنطقة الصناعية المؤهلة» المقامة بين الاردن والولايات المتحدة، التي فتحت فيها الابواب للاستثمارات الاجنبية، وتمتعت بميزة التصدير بدون رسوم جمركية او حصص الى الولايات المتحدة، بشرط واحد هو: ان يكون ما بين 8 و20% من المواد الاولية ذات منشأ اسرائيلي. ويمتلك رأس المال حرية اخراج الارباح واخراج رأس المال بأكمله بحرية تامة، ولا يدفع اي نوع من الضرائب او الرسوم، ويقوم باستغلال العمالة المحلية والارض والبنية التحتية بأرخص الاسعار.
قرأت تعليقا على هذا النموذج للكاتب الاردني الدكتور هشام البستاني «نشرته صحيفة القدس العربي في 25/6» قال انه بمقتضى تلك التجربة فإن المنطقة العربية تتحول الى «ارضية» فقط لحركة رأس المال، وتركيز القوة والاقتصاد والموارد في يد الكيان الصهيوني «فيما يخص الموارد، لا تنس اعادة الحياة الى مشروع انبوب كركوك حيفا النفطي» ـ وتتحول المجاميع البشرية العربية الى قوى عاملة رخيصة، تشبع بعرقها نهم الساعين الى الثراء والسيطرة في المنطقة.
اذا كانت المرامي والمقاصد على ذلك النحو. فلا استغرب ان يرفع الامريكيون الذين وضعوا «اجندة» المنتدى على اجتماعات الاردن لافتة: «قمة المصالحة» لانها قد تكون كذلك بالفعل، من وجهة النظر الامريكية والاسرائيلية، لكن ما استغربته حقا ان يهلل لذلك بعض بني جلدتنا، فيعتبرونها فتحا جديدا في تاريخ المنطقة، وتعجيلا بولادة عملية سلام جديدة في الشرق الاوسط واعادة الحياة الى البحر العربي الميت.
ان مشكلاتنا لا تقف عند حدود ما يرسم للمنطقة من خرائط تعد في الظلام، ولا فيما يدبر لها من فخاخ ومكائد، لكنها ايضا في «المارينز» العرب، الذين يحاولون تزيين كل ذلك وتسويغه، وهو ما يحمل المخلصين والشرفاء في هذه الامة عبئا مضاعفا، حيث يصبحون مطالبين بالاحتشاد والاستنفار لمواجهة وحدات «المارينز» على الجبهتين الخارجية والداخلية!





  أن نبقى بلا أمل أو ذاكرة

لن اتحدث عن مؤامرة، لكنني سوف أضع بين يديك ما تجمع لدي من ملاحظات وشواهد، تاركا لك حرية تقييم ما يفعله شارون فى الخارج وما يقوله آخرون فى الداخل. علما باننى لا استبعد ان يكون وحدة الوعاء الذى يصب فيه جهد الطرفين محض مصادفة بائسة.
 
قبل حين وقعت على مقال كتبه باتريك سيل، الصحفى البريطانى المتخصص فى الشرق الاوسط، اورد فيه عشرة اسباب، فسر بها اقدام ارييل شارون على قتل الشيخ احمد ياسين (الحياة اللندنية 3/26) واذ وجدت المقال حافلا بالتحليل العميق والاحاطة الواسعة بخلفيات الصراع وتفاعلاته، الا اننى لاحظت ان ثمة سببا آخر جوهريا لم يتطرق اليه الكاتب وهو يعرض لدوافع ارتكاب الجريمة، يتعلق بالرمز الذى يمثله الشيخ ياسين فى الوجدان العام. حيث ازعم فى هذا الصدد ان الصواريخ الثلاثة التى مزقت جسده لم تستهدف فقط الشيخ بقدر ما استهدفت الفتك بالرمز فيه.